عاجل:

هل وجّه الرئيس اللبناني الضربة القاضية للديمقراطية التوافقية؟

السبت ١١ يوليو ٢٠٢٦
٠٨:٠٦ بتوقيت غرينتش
هل وجّه الرئيس اللبناني الضربة القاضية للديمقراطية التوافقية؟ يفخر اللبنانيون بأنهم كيّفوا النظام الديمقراطي بما يتوافق مع الواقع الديموغرافي في لبنان، فأنشأوا ما أسموه الديمقراطية التوافقية، بمعنى أن كل القرارات الكبرى في البلد تُؤخذ بالتوافق لا بالتصويت العددي، وهي تعني أيضًا عدم استبعاد أي مكوّن طائفي وازن عن القرارات المصيرية.

ومنذ اتفاق الطائف ساد هذا المبدأ، أو هذا العرف، وفي الأصل جرى اعتماد الديمقراطية التوافقية كرمى لعيون المسيحيين في لبنان، لأنهم عدديًا يبلغون ثلاثين في المئة من الشعب اللبناني، وخِيفَ يومئذٍ من استفراد المسلمين سنة وشيعة بالقرارات الكبرى. ولمزيد من الاطمئنان تم الإبقاء على المناصفة في مجلس النواب والوزراء وكافة وظائف الدولة، وأُبقيت رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش وحاكمية مصرف لبنان حكرًا عليهم.

مشكلتنا مع إخوتنا المسيحيين أنهم يُجيزون لأنفسهم ما لا يجوز لغيرهم؛ فهم يستطيعون التحدث بفوقية عن النوعية البشرية، كما يُصرّح بعضهم بأن أناسًا من طائفة في الوطن لا يشبهونهم، ويطالبون في كثير من الأحيان بتقسيم لبنان أو بالفدرلة، وينظرون باستعلاء إلى الآخرين، وهم استقووا ويستقوون بالخارج على أبناء بلدهم، بل ساعدوه على ذلك. وتارة يطرحون تهجيرهم إلى العراق، وطورًا يتعاملون معهم ومع غيرهم كأبناء جارية وهم أبناء الست، ويعتبرون التملّق للأمريكيين والفرنسيين "برستيجًا" جذابًا، حتى لو داسوا على كرامتهم وسيادتهم، كما حدث عندما وصفهم المبعوث الأمريكي توم باراك، من على منبر رئيس الجمهورية، بالحيوانات. لكن عندما يقف أحد ما من هذه الطائفة أو تلك ليتكلم عن الطوائف، ولو من باب النصح، فإنهم يفرضون عليه الحُرُم الكنسي، ويتهمونه بمعاداة السامية المسيحية، وبمحاولة ضرب فينيقية لبنان أو صيغته الفريدة. لكن مع ذلك كله لا بد من توضيح بعض الأمور، ولو اضطررنا للحديث عن الطائفية والطوائف.

كما يقول المثل الشعبي: "رضينا بالهم والهم ما رضي فينا"، وهو مثلٌ ينطبق على وضع المسلمين في لبنان مع المسيحيين. فمع كل ما أُعطوا من مناصفة ومراكز أساسية في الدولة، هم غير راضين، ويرفضون حتى تعبير الآخرين عن رأيهم في القضايا المصيرية التي تُلِمّ بلبنان. وآخر تلك الهموم تفرُّد رئيس الجمهورية بقرار المفاوضات المباشرة مع العدو الصهيوني، وما نتج عنه من تنازل عن كرامة لبنان وسيادته واستقلاله، والاستقواء بالعدو على قتل وتهجير طائفة بأكملها، ومعاداته لها وإعطائه الشرعية للعدوان والإجرام بحقها، وهو ضربٌ بعرض الحائط رفض هذه الطائفة لهذا الاتفاق. والأنكى من ذلك أنه ما زال يدافع عنه، ويعتبر نفسه منقذًا للبنان، مع أن قادة العدو، وعلى رأسهم نتنياهو، كذّبوا كل أقواله علنًا ومن دون خجل أو احترام له، فيما إعلامهم يسخر منه بقبوله الشروط الصهيونية المذلّة لبلده، والتي تُعطي العدو كل ما يتمناه دون أن يُقدّم له أي تنازل، ولو تنازلًا شكليًا. وقادتهم يتباهون بأن الاتفاق سمح لهم بالبقاء في لبنان، وبالعدوان والقتل والتدمير، وهو واقع هذا الاتفاق المذلّ لمن وقّعه ورضي به.

القفز فوق رأي طائفة بأكملها، وفوق رأي جزء كبير من الشعب اللبناني خارج هذه الطائفة، ينسف العرف الذي سارت عليه السياسة اللبنانية خلال الثلاثين سنة الماضية. فقد أسقط الرئيس جوزيف عون مبدأ الديمقراطية التوافقية بالضربة القاضية، واستفرد بقرارات مصيرية تضرّ بشريحة واسعة من الشعب اللبناني. لذا أصبح لزامًا على الآخرين أن يُبادلوه بنفس الطريقة، خصوصًا أن بعض المسيحيين دعموا فعلته هذه وأشادوا بها، وعليه وعليهم أن يتحمّلوا مسؤولية أفعالهم. فإذا سقطت الديمقراطية التوافقية، فالأَولى العودة إلى النظام الديمقراطي، أي العودة إلى حكم الشعب، أو ما يُمكن تسميته بالديمقراطية العددية. كما أن هناك أمرًا آخر لا يقل خطورة عن ضرب الديمقراطية التوافقية، بما فيها الميثاقية، وهو أن العديد من زعماء الأحزاب التي أيدت هذا المسار الذي اختطَّه رئيس الجمهورية دائمًا ما يستخدمون مصطلح الشعب اللبناني، ومصلحة الشعب، وأكثرية الشعب، وتمثيل الشعب. فهل صحيح أنهم يمثلون الشعب؟ بالتأكيد لا.

مراجعة بسيطة للوائح الانتخابات التي تصدرها وزارة الداخلية اللبنانية، تُظهر أن المسيحيين في لبنان لا يمثلون سوى 30٪ من عدد الشعب اللبناني، فيما يمثِّل نوابُهم، على أعلى التقديرات، بين 18 و20٪ من الشعب اللبناني. وقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن 85٪ من الشعب غير راضين عن هذا المسار التفاوضي، وأن أكثر من 75٪ يعتبرون الكيان الصهيوني عدوًا لهم. هذا الكلام لا يعني المطالبة بتوزيع جديد للسلطة في لبنان بناءً على التوزيع الطائفي للشعب، لكن فقط للفت انتباه الذين يتحدثون باسم الشعب أن حجمهم الفعلي، بأقصى حالاته، لا يصل إلى ربع الشعب، وهو ما أفرزته الانتخابات النيابية الأخيرة وما سبقها.

كما أن أعداد الناخبين تؤكد ذلك، كما تؤكده الأصوات التفضيلية لكل طائفة. فلو احتسبنا عدد النواب بالنسبة للشعب اللبناني، فإن المسيحيين عمومًا حصتهم جميعًا تقلّ عن أربعين نائبًا، بينما ترتفع الحصة الإسلامية إلى ما يقارب 85 نائبًا، أي ثلثي مجلس النواب. أما على الصعيد المذهبي، فترتفع حصة الشيعة والسنة، لكلٍّ منهما، إلى حوالي 35 نائبًا. وبكلامٍ أوضح، فإن كتلة من عشرين نائبًا حاليًا ستصبح حوالي 12 نائبًا، ككتلة القوات اللبنانية مثلًا، فيما كتلة حزب الله وكتلة حركة أمل ستزيد لتبلغ حوالي 18 نائبًا لكل منهما.

خلاصة القول، وبعيدًا عن الطائفية والطوائف، على رئيس الجمهورية أن يعرف الحجم الفعلي لتلك الكتل التي تدفعه إلى هذا المسار الانتحاري للبنان، وعليه وعليهم أن ينتبهوا إلى عدم استخدام مصطلح أكثرية الشعب، والشعب اللبناني، ومصلحة الشعب، وتمثيل الشعب، وغيرها، ما يُوحي أنهم يمثلون الشعب، بينما هم لا يمثلون إلا جزءًا قليلًا منه. كما أن عليه مراجعة عدم احترامه للديمقراطية التوافقية وخروجه عنها، لأن ذلك سيُقابله المطالبة بالديمقراطية العددية مع ما يعنيه ذلك من خسارة لموقع رئاسة الجمهورية والمراكز المسيحية الأساسية في إدارة شؤون هذا البلد.

وكما يقول المثل: "من كان بيته من زجاج لا يُراشق بيوت الناس بالحجارة"، ولبنان كل بيوته من زجاج، فلا تكسروا هذا البلد على رؤوس أهله. ونصيحة لإخواننا في الوطن، خصوصًا المسيحيين منهم: لقد دفعتم أثمانًا باهظة لكل تلك المغامرات التي خاضها زعماؤكم من رؤساء جمهورية ورؤساء أحزاب منذ عهد الاستقلال وحتى اليوم، ولم تجلب عليكم سوى تعاظم الخسائر. واليوم هناك فريق مُصرٌّ على إدخالكم في مغامرة، أو لنقل مقامرة، لن تنتهي حتى يفقدوكم آخرَ مواقعكم في هذا البلد. فأعلنوا موقفكم الوطني؛ ليبقى لبنان وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه.

د. أحمد موسى حوماني ... كاتب وباحث لبناني

0% ...

آخرالاخبار

الصحة اليمنية: استشهاد 7 مدنيين بينهم طفلان وإصابة 6 أطفال بجراح من جراء استهداف الطائرات السعودية منزلا غربي تعز


وكالة أنباء كوريا الشمالية: تجربة إطلاق ناجحة لمنظومة صواريخ متطورة للدفاع الجوي


أكسيوس: زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة المجلس في رسالة وجهها إلى زملائه


عراقجي يؤكد على تعزيز العلاقات بين إيران وبولندا


مصادر لبنانية: غارة لطيران العدو الإسرائيلي تستهدف المنطقة الواقعة بين بلدتي مركبا وطلوسة في جنوب لبنان


القناة 13 "الإسرائيلية": هزيمة تاريخية لترامب في انتخابات التجديد النصفي وتداعيات خطيرة على "إسرائيل"


اعلام ألماني: العثور على وزير الاقتصاد بافاريا أيفانغر ميتا في أحد فنادق برلين


مصادر إعلامية: صفقة ترامب مع روسيا بشأن وقود الديزل تتوقف بسبب انخفاض مخزونات الوقود الأمريكية إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا


اعلام الاحتلال: آيزنكوت يضمن التكليف الأول بتشكيل "الحكومة" بدعم 56 عضوا مقابل 46 عضوا لنتنياهو


مصادر يمنية: 7 شهداء بينهم طفلان و6 جرحى بينهم 4 أطفال في قصف الطيران السعودي منزل الشيخ منصور هايل سنان في منطقة البرح بمديرية مقبنة في تعز


الأكثر مشاهدة

رئيسة المفوضية الأوروبية: إغلاق مضيق هرمز كلف أوروبا 127 مليار يورو إضافية من دون أن تصلها ذرة طاقة إضافية واحدة


‏لجنة الحملات الديمقراطية في الكونغرس: واثقون من الفوز لكن كل السيناريوهات واردة


"القناة 12" الصهيونية: حالة من الارتباك والقلق داخل المؤسسة الأمنية عقب تصريحات ترامب بشأن وقف المساعدات لـ"إسرائيل"


الحرب على إيران ترفع تكاليف مشاريع النفط


حاكم فلوريدا الجمهوري: جمهوريون يضللون الناخبين بعدم الاعتراف بأن الحرب على إيران أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود


الجيش الايراني: إدراك طبيعة التهديد والحفاظ على اليقظة الوطنية ضرورة دائمة


كوريا الشمالية تحذر من رد أقوى على "عدائية" الولايات المتحدة


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف وادي الحجير في جنوب لبنان


إغلاق صناديق الاقتراع في ولايات نورث كارولاينا وأوهايو ووايومينغ


فوز الديمقراطيين بـ41 مقعدا والجمهوريين بـ31 مقعدا في مجلس الشيوخ


فوز الديمقراطيين بـ20 مقعدا والجمهوريين بـ10 مقاعد في مجلس النواب