وهذه مرتكزات الاستراتيجية التركية الجديدة مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 . ولقد بذل قادة تركيا الكثير من الجهد وأبدوا حنكة عالية لتحقيق هذا الهدف . وقد كان لهم ذلك من تصاعد التأثير التركي في المنطقة وتقدم صورة تركيا المتعاونة والمتفاعلة مع دول المنطقة من دون استثناء بما في ذلك “إسرائيل”، ما أفضى إلى بناء شبكة قوية من العلاقات والثقة بين تركيا وجميع جيرانها، بمن فيهم أرمينيا التي وقعت أنقرة معها بروتوكولاً تاريخياً، وإن لم يأخذ طريقه إلى التنفيذ لاحقاً .
غير أن حدث الثورات العربية تحديداً كان عاملاً في وضع السياسات التركية أمام امتحان جِدي وحقيقي للمرة الأولى منذ عام 2002 .
وربما من تعاسة الأقدار أن يتحول “الربيع العربي” - كما يفضل الأتراك تسمية الثورات العربية - من فرصة لمزيد من الحضور التركي إلى مجموعة من التطورات والأحداث التي تكاتفت لتضع تركيا في مأزق لا يعرف أحد في تركيا كيف ستخرج منه .
وسوف يثير هذا الكلام دهشة واعتراضاً على أساس أن القيادة التركية كانت من مؤيدي الربيع العربي، وبطبيعة الحال يفترض أن تكون هي من أكبر المستفيدين منه .
في صورة المشهد الحالي، فإن علاقات تركيا مع ما يسمى “محور الممانعة” قد انهارت . مع سوريا، حيث النجاح التركي الأبرز في السياسة الخارجية، بلغ التدهور ذروته مع الانتقال من سياسة “فتح الحدود” إلى سياسة “فتح فوّهات المدافع”، مع تهديد تركيا باستخدام عقوبات متنوعة قد تصل إلى الضغط العسكري، مع بدء مناورات عسكرية في لواء الاسكندرون تمتد إلى 13 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري .
ومع العراق، كانت حكومة نوري المالكي حاسمة في وقوفها مع النظام السوري، كما رفضت إلغاء تأشيرات الدخول بين العراق وتركيا والتصديق على اتفاق التعاون الاستراتيجي مع تركيا في البرلمان العراقي . أما مع إيران فإنه الخلاف الأبرز مع نصب تركيا الدرع الصاروخية المستهدفة منه إيران ومعها روسيا وسوريا كلها هذه المنظومة .
وجاء التدهور الآخر المثير مع روسيا بسبب الخلاف مع أنقرة حول سوريا وقبرص وأرمينيا . ومن تعبيرات هذا الخلاف إلغاء تركيا اتفاقية استيراد الغاز الطبيعي من روسيا، وهي خطوة نوعية ولها دلالات كثيرة في تحول التوجه التركي من الشريك التجاري الأول لتركيا في العالم، أي روسيا، إلى دول أخرى .
وفي المقلب الآخر، لم تتمكن تركيا من أن تكون شريكاً جديداً ذا ثقة ومصداقية لدول مثل مصر وليبيا وتونس وبعض الدول العربية في الخليج "الفارسي" .
ذلك لأن الموقف التركي من ليبيا كان متذبذباً، ومع أنها شاركت في النهاية في عمليات إسقاط النظام غير أن ما ستكسبه من النظام الجديد لن يكون سوى فتات ما سترميه لها فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة وبريطانيا، بينما كانت تركيا ومصالحها طفلاً مدللاً لدى معمر القذافي .
وفي مصر، لا يمكن النظر إلى ما وصفه وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو ب “محور ديمقراطي” بين البلدين، إلا بأنه مجرد مسألة افتراضية لا وجود لها على أرض الواقع، فضلاً عن أنها محاولة تعويض عن خسارات في مناطق أخرى . حيث أن مصر كما تونس وليبيا تمر بمرحلة انتقالية غير مستقرة وغير واضحة معالمها المستقبلية . فلا سلطة بعد تبلورت لتمسك بزمام الأمور، وهذه على ما يبدو لن تتبلور في ظل الصراع على هوية السلطة قبل مرور وقت طويل يقاس بالسنوات وليس بالأشهر . ومن بعد ذلك، سوف يستغرق رسم استراتيجيات هذه السلطة، ولا سيما في مصر، وقتاً إضافياً لتحديد موقع مصر، خصوصاً من الصراعات الإقليمية وعلى خريطة النظام الدولي . ولا أحد يعلم ما تكون عليه هذه الاستراتيجية وفي أي اتجاه . فمع أي “نظام” غير موجود بعد في مصر ستقيم تركيا محوراً ديمقراطياً أو غير ديمقراطي؟
وإذا أضفنا سقوط مقولة “القوة الناعمة” مع قرع طبول الحرب بين تركيا وقبرص، وبين تركيا و”إسرائيل”، وبين تركيا وسوريا وسقوط نظرية “تصفير المشكلات” مع معظم الدول المحيطة بتركيا، وبالتالي انهيار “الدور الوسيط”، لكنّا أمام صورة انهيار مذهل وسريع لمرتكزات استراتيجيا (بالألف) لم تستطع الصمود أكثر من سنوات بعدد أصابع اليد الواحدة . أما أسباب هذا الانهيار فلنا موعد آخر معه .
* محمد نور الدين