عاجل:

قراءة تحليلية في مذكرة التفاهم بين إيران وواشنطن

السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٦
٠٤:٢٥ بتوقيت غرينتش
قراءة تحليلية في مذكرة التفاهم بين إيران وواشنطن يمثّل الصراع الإيراني–الأمريكي منعطفًا كلاسيكيًا في سياسة «إدارة الأزمات وكسر الإرادات»، حيث تتقاطع الأيديولوجيا الصارمة مع البراغماتية المفرطة خلف الكواليس والأبواب المغلقة.

وفي هذا السياق، لا تأتي مذكرة التفاهم الأخيرة بين طهران وواشنطن كـ«اتفاق سلام» أو صلح تاريخي، بل كـ«هندسة مؤقتة لربط المصالح»، فرضتها تحولات المشهدين الدولي والإقليمي.

إن القراءة الفاحصة لهذه المذكرة تتطلب تفكيك ما وراء النصوص المعلنة، والغوص في عمق المفاوضات – أو بالأحرى المقايضات الضمنية – واستشراف آفاق هذا المسار المعقّد.

أولًا: تقاطعات المصالح ومعادلة المقايضة الضمنية:
تتحرك هذه التفاهمات وفق معادلة دقيقة من الأخذ والعطاء؛ إذ لم يكن بالإمكان التوصل إلى نقطة التقاء دون توازنات محسوبة في القضايا الرئيسية، المتمثلة في الملف النووي، والاقتصاد الإقليمي، والملف المالي الإيراني.

الملف النووي: (الكبح مقابل التمرير النفطي):
في الوقت الذي التزمت فيه طهران بخفض نسب تخصيب اليورانيوم بشكل واضح، والسماح بمرونة أكبر للمفتشين الدوليين لتجنب الوصول إلى «نقطة اللاعودة» النووية، قابلت واشنطن ذلك بـ«غضّ طرف مقصود» عن شبكات تصدير النفط الإيراني، ما أتاح للاقتصاد الإيراني ضخ كميات إضافية في الأسواق العالمية دون اصطدام مباشر بآليات العقوبات.

الملف الإقليمي: (التهدئة الميدانية مقابل تجميد الضغوط):
اشترط الجانب الأمريكي كبح جماح الفصائل الحليفة لطهران، ووقف استهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، لضمان سلامة قواته وممراته الملاحية. وفي المقابل، قدّمت واشنطن تعهّدًا ضمنيًا بتجميد فرض أي حزم عقوبات اقتصادية جديدة ومشددة، ما يمنح القرار السياسي الإيراني مساحة لالتقاط أنفاس استراتيجية.

الملف المالي: (الالتزام اللوجستي مقابل التسييل المشروط):
تجلّى عنصر المقايضة الأبرز في المسار المالي؛ إذ وافقت إيران على إخضاع الأموال المُفرج عنها لآليات صرف محددة، تقتصر على الجوانب الإنسانية والاقتصادية غير الخاضعة للعقوبات. في المقابل، التزمت الولايات المتحدة بتسهيل تسييل الأصول الإيرانية المجمّدة عبر بنوك وسيطة في دول خليجية وآسيوية، وتحويلها من خانة «الأرقام المحجوزة» إلى «السيولة المتداولة».

الأبعاد الجيوسياسية: قراءة في حسابات القوى:
لا يمكن فصل هذه المذكرة عن شبكة العلاقات الدولية المعقّدة؛ فالتقارب المحسوب بين واشنطن وطهران يثير قلقًا صامتًا لدى حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين، الذين يرون في هذا النمط من التفاهمات «منحًا للشرعية الإقليمية» لإيران على حساب التوازنات الأمنية التقليدية.

ومن جهة أخرى، تراقب موسكو وبكين هذا المسار بحذر؛ فبينما يتقاطع التفاهم مع رغبة الصين في استقرار ممرات الطاقة التجارية، تخشى روسيا أن يؤدي أي انفراج طويل الأمد بين إيران والغرب إلى تخفيف حاجة طهران للتحالف العسكري والسياسي المتين مع موسكو، الذي تعزّز بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة.

حقول الألغام: فرص الاستمرار واحتمالات الانهيار:
تواجه هذه المذكرة تحديات هيكلية نابعة من بيئة صنع القرار في كلا البلدين، ويمكن رصد ثلاثة كوابح أساسية قد تفجّر التفاهم في أي لحظة:
1- الرفض الداخلي الأمريكي
يمثّل الكونغرس – بضغوط من الحزب الجمهوري وبعض التيارات الديمقراطية المحافظة – العائق الأكبر، إذ يُنظر إلى أي مرونة تجاه طهران على أنها «تنازل واستسلام» يضعف الردع الأمريكي.

2- معادلة القوة داخل إيران
يظل التباين الصامت بين التيار البراغماتي، الذي يرى في التفاهم مخرجًا للأزمة الاقتصادية الخانقة، والتيار الأصولي، الذي يوجس خيفة من «الخديعة الأمريكية» المستمرة، عاملًا حاكمًا لمدى التزام طهران بهذا المسار على المدى الطويل.

3- ميدان قابل للاشتعال
إن الطبيعة الهشّة للمنطقة تعني أن أي خطأ في الحسابات، أو تصعيد غير محسوب من قِبل القوى الميدانية، أو أي عملية أمنية طارئة تطال أحد الطرفين، كفيل بإسقاط هذه التفاهمات الهشّة فورًا.

خاتمة:
في المحصلة، لا تمثّل مذكرة التفاهم بين إيران وواشنطن «خروجًا كاملًا من نفق الصراع المظلم»، بل تطبيقًا عمليًا لاستراتيجية «إدارة الأزمة عند حدودها الدنيا».

لقد استعاض الطرفان عن «الاتفاق الشامل والمستدام» – الذي بات شبه مستحيل في ظل الظروف الراهنة – بصيغة «خطوة مقابل خطوة» غير الرسمية. إنها هدنة براغماتية مؤقتة، يدرك فيها كلا الطرفين أن كلفة العودة إلى التصعيد والانفجار الشامل في الوقت الحالي تفوق بكثير كلفة تقديم تنازلات تكتيكية متبادلة.

والحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها أن إيران باتت قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، وتمتلك أوراقها السياسية والميدانية التي وضعتها على مسار ترسيخ موقعها وفرض معادلاتها في الإقليم.

بقلم... طوفان الجنيد.

0% ...

آخرالاخبار

قوات الاحتلال تقتحم بلدتي دير الغصون وبلعا في طولكرم


مصادر فلسطينية: قوات الاحتــلال تشن حملة دهم واعتقالات خلال اقتحامها مدينة قلقيلية


العميد سريع: 104 غارة للعدوان السعودي خلال 24 ساعة


المتحدث باسم وزارة الصحة اليمنية: التصعيد السعودي الأخير أسفر عن استشهاد 266 مدنياً بينهم 86 طفلًا و38 امرأة وإصابة 641 آخرين


زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي شاك شومر: الحرب على إيران يجب أن تنتهي وسنحاصر ترمب تشريعيا إذا لم يمتثل لإرادة الشعب


بقائي يرد على تصريحات وزير الخارجية الألماني


مصادر فلسطينية: تجدد المواجهات في بلدة "سلواد" شمال شرق رام الله، والاحتلال يُطلق قنابل الغاز


الصحة اليمنية: استشهاد 7 مدنيين بينهم طفلان وإصابة 6 أطفال بجراح من جراء استهداف الطائرات السعودية منزلا غربي تعز


وكالة أنباء كوريا الشمالية: تجربة إطلاق ناجحة لمنظومة صواريخ متطورة للدفاع الجوي


أكسيوس: زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة المجلس في رسالة وجهها إلى زملائه


الأكثر مشاهدة

رئيسة المفوضية الأوروبية: إغلاق مضيق هرمز كلف أوروبا 127 مليار يورو إضافية من دون أن تصلها ذرة طاقة إضافية واحدة


‏لجنة الحملات الديمقراطية في الكونغرس: واثقون من الفوز لكن كل السيناريوهات واردة


"القناة 12" الصهيونية: حالة من الارتباك والقلق داخل المؤسسة الأمنية عقب تصريحات ترامب بشأن وقف المساعدات لـ"إسرائيل"


الحرب على إيران ترفع تكاليف مشاريع النفط


حاكم فلوريدا الجمهوري: جمهوريون يضللون الناخبين بعدم الاعتراف بأن الحرب على إيران أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود


الجيش الايراني: إدراك طبيعة التهديد والحفاظ على اليقظة الوطنية ضرورة دائمة


كوريا الشمالية تحذر من رد أقوى على "عدائية" الولايات المتحدة


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف وادي الحجير في جنوب لبنان


إغلاق صناديق الاقتراع في ولايات نورث كارولاينا وأوهايو ووايومينغ


فوز الديمقراطيين بـ41 مقعدا والجمهوريين بـ31 مقعدا في مجلس الشيوخ


فوز الديمقراطيين بـ20 مقعدا والجمهوريين بـ10 مقاعد في مجلس النواب