عاجل:

النووي الإيراني بين خطاب التوظيف السياسي وإعادة تشكيل موازين القوة

الأربعاء ٢٠ مايو ٢٠٢٦
٠١:٣١ بتوقيت غرينتش
النووي الإيراني بين خطاب التوظيف السياسي وإعادة تشكيل موازين القوة تتواصل في المرحلة الراهنة حدة السجال الدولي حول النووي الإيراني، في سياق يتجاوز البعد التقني لهذا الملف ليتموضع ضمن شبكة أوسع من التفاعلات الجيوسياسية المرتبطة بإعادة تشكيل موازين القوة في النظام الدولي، وبالأخص في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.

أولاً: يبرز في الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي تركيز متزايد على اتهام إيران بالسعي إلى امتلاك سلاح نووي، وهو خطاب يتخذ موقعاً مركزياً في الدعاية السياسية لواشنطن. ويمكن قراءة هذا التوجه في ضوء عدة اعتبارات مترابطة، من بينها توظيف الملف النووي كأداة لتبرير السياسات الأمريكية في المنطقة والحروب المرتبطة بها، بما يساهم في صياغة سردية سياسية داخلية وخارجية تقدم الولايات المتحدة بوصفها قوة “ضبط واستقرار” على المستوى الدولي.

كما يُلاحظ أن هذا التركيز يتزامن مع صعوبات واجهت تحقيق أهداف استراتيجية أوسع، مثل إحداث تغيير جذري في البنية السياسية الإيرانية أو تقليص قدراتها الدفاعية أو إعادة رسم موازين القوى الإقليمية. وفي هذا السياق، يتم إعادة تقديم ملف “منع إيران من امتلاك السلاح النووي” كهدف سياسي قابل للتسويق، رغم تأكيد إيران المتكرر أن موقفها من عدم إنتاج هذا السلاح ثابت ومعلن في إطار استراتيجيتها الرسمية.

إلى جانب ذلك، يُستخدم هذا الملف أيضاً كأداة لتغطية الإخفاقات في ملفات إقليمية حساسة، وفي مقدمتها التحديات المرتبطة بالتوازنات الاستراتيجية في الممرات البحرية الحيوية. كما يُوظف كوسيلة ضغط نفسي ودبلوماسي تهدف إلى التأثير على العقيدة الردعية الإيرانية ومنع أي تحول محتمل فيها.

وفي المقابل، تُطرح هذه المقاربة باعتبارها تمهيداً لإمكانية فرض التزامات سياسية مستقبلية يمكن توظيفها لاحقاً لتوسيع نطاق الضغط في ملفات أخرى، بما يعزز أدوات الابتزاز السياسي في مراحل لاحقة. ويُشار في هذا السياق إلى أن هذا النهج يفتقر، بحسب هذه القراءة، إلى الاتساق الأخلاقي، خصوصاً في ظل استمرار وجود قوى إقليمية تمتلك قدرات نووية خارج إطار الرقابة الدولية دون مستويات الضغط ذاتها.

كما تُقرأ هذه الدينامية على أنها تعبير عن إشكالية أعمق تتجاوز الملف النووي ذاته، تتمثل في طبيعة العلاقة مع دولة تمتلك قراراً سيادياً مستقلاً خارج منظومة النفوذ الغربي.

ثانياً: على مستوى المقاربة التفاوضية، يتضح أن الرؤية الإيرانية تربط أي مسار تفاوضي بضرورة إنهاء حالة الصراع أو الحرب أولاً، باعتبار أن التفاوض في ظل استمرار الضغوط يفقد توازنه الموضوعي ويؤدي إلى إعادة إنتاج أدوات الضغط نفسها في المستقبل.

كما يتم التأكيد على أن قبول شروط مسبقة في الملف النووي قد يفتح الباب أمام توسع تدريجي في التدخل الخارجي ليشمل جوانب أخرى من البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك التخصيب والبنية التحتية وآليات الرقابة، وهو ما يُنظر إليه باعتباره مساساً بمبدأ السيادة الوطنية.

ثالثاً: في سياق موازٍ، يستمر استخدام الخطاب التهديدي الأمريكي تجاه إيران، مع بروز تباين نسبي في نبرة الخطاب بين مختلف الأجنحة السياسية في واشنطن. ويُفهم هذا التباين باعتباره جزءاً من إدارة مزدوجة تجمع بين الضغط السياسي والمسار الدبلوماسي، بهدف إبقاء مستويات التوتر ضمن نطاق يمكن التحكم به.

وفي المقابل، تشير المعطيات إلى أن فعالية الردع المتبادل قد أسهمت في تقليص هامش المناورة الأمريكي، وهو ما انعكس في إعادة ضبط بعض أدوات الخطاب السياسي تجاه الملف الإيراني.

رابعاً: على مستوى إدارة الصراع، يتم الاعتماد على قنوات غير مباشرة في التواصل بين طهران وواشنطن عبر وسطاء، وهو نمط يُعتبر أكثر توافقاً مع طبيعة المرحلة الراهنة. ويُشدد في هذا الإطار على أن الحفاظ على ميزان القوة القائم يمثل شرطاً أساسياً لأي عملية تفاوضية مستقبلية.

خامساً: أما على المستوى الدولي الأوسع، فإن المقارنة بين التحركات الدبلوماسية للقوى الكبرى، خصوصاً في المشهد المرتبط بالصين وروسيا والولايات المتحدة، تعكس مؤشرات واضحة على تحول تدريجي في بنية النظام الدولي نحو مزيد من التعددية القطبية.

فالتباين في أنماط الاستقبال والتفاعل الدبلوماسي بين القوى الكبرى يُقرأ بوصفه انعكاساً لإعادة توزيع النفوذ العالمي، حيث تتراجع الهيمنة الأحادية لصالح شبكة أكثر تعقيداً من التحالفات والتوازنات المتداخلة.

وفي هذا الإطار، يُنظر إلى تنامي الشراكات بين الصين وروسيا، وتداخلها مع معادلات إقليمية متعددة، باعتباره جزءاً من عملية إعادة تشكيل شاملة تشمل الاقتصاد والطاقة والأمن والتحالفات الاستراتيجية.

في المحصلة، لم يعد الملف النووي الإيراني ملفاً تقنياً محصوراً في نطاقه العلمي أو التفاوضي الضيق، بل أصبح جزءاً من بنية صراع دولي أوسع، تتقاطع فيه أدوات القوة الصلبة والناعمة، وتتداخل فيه حسابات الردع مع إعادة تشكيل النظام الدولي في مرحلة انتقالية لا تزال ملامحها قيد التشكل.

*بقلم رئيس التحرير

0% ...

آخرالاخبار

إطلاق نار مكثف من الدبابات الإسرائيلية شرق مدينة حمد شمالي مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة


قصف مدفعي شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة


إبراهيم عزيزي: سنواجه كل خطأ برد حاسم حتى نحرر أكبر قاعدة عسكرية لأمريكا، الكيان الصهيوني، نهائيا


رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي: لن نسمح لترامب بالانسحاب من المنطقة دون دفع الثمن والتعويضات


الولايات المتحدة قالت كفى


غارات سعودية تستهدف سوقا شعبيا في تعز وتحصد عشرات الضحايا


المقاومة اللبنانية تؤكد ممارسة حقها الوطني والاحتلال يصعد عدوانه على الجنوب


شاهد بالفيديو.. استهداف عناصر تابعة للنظام السعودي من مسافة صفر باليمن


مسيرة إسرائيلية تلقي قنبلة شرقي مخيم البريج وسط قطاع غزة


برلماني إيراني: مدى صواريخ إيران سيصل إلى أوروبا ردا على أي اعتداء


الأكثر مشاهدة

القناة 13 "الإسرائيلية": هزيمة تاريخية لترامب في انتخابات التجديد النصفي وتداعيات خطيرة على "إسرائيل"


مصادر إعلامية: صفقة ترامب مع روسيا بشأن وقود الديزل تتوقف بسبب انخفاض مخزونات الوقود الأمريكية إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا


اعلام ألماني: العثور على وزير الاقتصاد بافاريا أيفانغر ميتا في أحد فنادق برلين


مصادر لبنانية: غارة لطيران العدو الإسرائيلي تستهدف المنطقة الواقعة بين بلدتي مركبا وطلوسة في جنوب لبنان


عراقجي يؤكد على تعزيز العلاقات بين إيران وبولندا


أكسيوس: زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة المجلس في رسالة وجهها إلى زملائه


وكالة أنباء كوريا الشمالية: تجربة إطلاق ناجحة لمنظومة صواريخ متطورة للدفاع الجوي


الصحة اليمنية: استشهاد 7 مدنيين بينهم طفلان وإصابة 6 أطفال بجراح من جراء استهداف الطائرات السعودية منزلا غربي تعز


بقائي يرد على تصريحات وزير الخارجية الألماني


مصادر فلسطينية: تجدد المواجهات في بلدة "سلواد" شمال شرق رام الله، والاحتلال يُطلق قنابل الغاز


زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي شاك شومر: الحرب على إيران يجب أن تنتهي وسنحاصر ترمب تشريعيا إذا لم يمتثل لإرادة الشعب