عاجل:

من مضيق الخطر إلى عقود النفوذ: كيف ربحت أمريكا لعبة الغاز

الأحد ١٠ مايو ٢٠٢٦
٠٨:٣٠ بتوقيت غرينتش
من مضيق الخطر إلى عقود النفوذ: كيف ربحت أمريكا لعبة الغاز بقلم : حیدر زیبرم

ليست كل الأزمات خسارة. في عالم الطاقة، بعض الحرائق تُشعلها الجغرافيا… ويطفئها المال بعقود طويلة الأجل، لأن الازمات لا تُهدر بل تُستثمر. ما جرى حول مضيق هرمز لم يكن مجرد توتر جيوسياسي عابر في ممر بحري، بل اختبار قاس لفكرة "الأمان الطاقي" التي بنت عليها الأسواق العالمية ثقتها لعقود. وفي لحظة الارتباك، تقدّمت واشنطن ليس فقط كمورّد بديل، بل كمهندس جديد لقواعد اللعبة و رسم خريطة تدفقات الغاز العالمية بشكل يخدم طرفا واحدا أكثر من غيره: الولايات المتحدة.
على الورق، القصة تبدو تقنية: اضطراب في الإمدادات، ارتفاع في أقساط التأمين، قفزة في الأسعار، ثم بحث محموم عن بدائل. لكن ما حدث أعمق من ذلك. حيث تزعزت صورة دول مجلس التعاون كمصدر طاقة "موثوق لا يتأثر"، هذه السمعة، التي بُنيت على مدى عقود، اهتزت بسرعة لافتة. ومع ارتفاع المخاطر، قفزت تكاليف التأمين، وتردد المشترون، لينتقل مركز الثقل من سؤال "كم يكلف الغاز؟" إلى سؤال "من يضمن وصوله؟". هنا بالضبط تغيّرت المعادلة بعد إن بدأت أوروبا تبحث عن بدائل فورية،لا الأرخص، بل "الأكثر أمانا".
غاز دول مجلس التعاون الأرخص عالميا فقد ميزة حاسمة: اليقين. وهنا دخل الغاز الأمريكي المسال—الغاز الطبيعي المسال— السوق بميزة معاكسة وكبديل جاهز. ليس لأنه الأرخص، بل لأنه الأقل ارتباطا بنقطة اختناق جغرافية مثل هرمز. فجأة، لم يعد السعر هو العامل الحاسم، بل "استقرار الإمداد" كما يُسوّق له. وبين الكلفة والمخاطر، اختارت أوروبا تقليل القلق حتى لو دفعت ثمنا أعلى.
الأرقام تعكس هذا التحول. صادرات الولايات المتحدة من الغاز المسال سجلت مستويات قياسية، وتدفقت نسبة كبيرة منها إلى أوروبا. في وقت كانت فيه الأسعار الأوروبية تقفز بسرعة لافتة. لكن الأهم ليس حجم التدفقات، بل طبيعة العقود: اتفاقيات طويلة الأمد، بأسعار أعلى، وشروط أكثر صرامة. بمعنى آخر، لم تكن مجرد صفقة طارئة، بل إعادة ربط استراتيجي. في المقابل، واجهت الإمدادات القادمة من دول مجلس التعاون تحديات تتعلق بالمخاطر والتأمين وسلاسل النقل.
لكن هذا "الأمان" ليس بلا ثمن سياسي. فالعقود التي تُوقّع اليوم ليست قصيرة الأجل، بل تمتد لسنوات—وأحيانا لعقود. وهنا تتحول العلاقة من صفقة تجارية إلى ارتباط استراتيجي طويل الأمد. بمعنى آخر: الاعتماد لا يختفي، بل يتغير اتجاهه.
مراكز بحث مثل CSIS لفتت إلى أن الأزمات الجيوسياسية تعيد ترتيب أولويات المشترين، وتجعل "الموثوقية" سلعة بحد ذاتها. لكن ما يُقرأ بين السطور هو أن من يملك القدرة على تقديم بديل سريع، يملك أيضا فرصة لفرض شروطه على المدى الطويل.
وهنا تظهر المفارقة: أوروبا، التي سعت لتقليل اعتمادها على مورد واحد، أصبحت أمام معادلة صعبة و هي الهروب من مخاطر الجغرافيا يقودها إلى نوع آخر من الاعتماد وهذه المرة على مورد يملك نفوذا سياسيا واقتصاديا واسعا. ومع تصاعد الضغوط التجارية، يتحول الغاز إلى ورقة تفاوض، لا مجرد سلعة.
في المقابل، دول مجلس التعاون تواجه معركة من نوع آخر: استعادة "السمعة". فأسواق الطاقة لا تتذكر الأسعار فقط، بل تتذكر الأزمات. وأي اهتزاز في صورة الاستقرار يحتاج سنوات لإصلاحه، سنوات تُوقَّع خلالها عقود قد تُغلق السوق أمام عودة سريعة.
ليست المسألة إذا من يملك الغاز، بل من يملك قصة الأمان حوله. ومن ينجح في إقناع العالم بأن إمداداته أقل عرضة للمخاطر، يستطيع أن يبيع بسعر أعلى ولفترة أطول.
المفارقة الأكبر أن ما بُني خلال خمسين عاما من الثقة يمكن أن يتآكل خلال أسابيع من التوتر. وفي الوقت الذي تحاول فيه المنطقة استعادة صورتها، تكون الأسواق قد حسمت جزءا كبيرا من خياراتها بالفعل.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بجودة الغاز أو تكلفته، بل بمن يسيطر على سردية الأمان. ومن يربح هذه السردية… يربح السوق.
وما حدث حول مضيق هرمز يكشف حقيقة صلبة:
الأسواق لا تُدار فقط بالموارد، بل بالثقة.
والثقة، حين تهتز، تفتح الباب أمام من يعرف كيف يحوّل الأزمة إلى عقد… والعقد إلى نفوذ.

0% ...

آخرالاخبار

مصادر محلية سورية: دورية للاحتلال الإسرائيلي تتوغل في قرية أوفانيا بريف القنيطرة الشمالي وتوقف عددا من الأهالي وتحقق معهم


وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يناقش هاتفيا مع نظيره المصري آخر تطورات المنطقة وجهود خفض التصعيد


العميد بلالي لـ"العالم": قواعدنا الصاروخية لا يستطيع أي سلاح تقليدي تدميرها


بعثة ايران في فيينا: غروسي يعلم أن تقاريره هو نفسه لم تتضمن قط أي تحويل ولو لغرام واحد من هذه المواد إلى استخدامات غير معلنة


بعثة ايران في فيينا: غروسي يعلم أن كل غرام من المواد النووية الإيرانية يخضع للمحاسبة والمتابعة من قبل الوكالة


بعثة إيران في فيينا ترد على غروسي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية: قلق بشأن مخزون اليورانيوم ويصمت ازاء قصف الغير


 العميد قاآني: إذا واصلت أميركا سلوكها المقامر فإن جبهة المقاومة قادرة على توجيه ضربات جوهرية لها على مستوى السطح والعمق معاً


 العميد قاآني: كانت نتيجة مقامرة ترامب بيع رصيد أميركا الممتد على مدى 250 عاماً وخسارة مضيق هرمز


 العميد قاآني: الرئيس الأميركي النرجسي بدأ مقامرة الحرب مع إيران بعد الوثوق بكلام نتنياهو المخادع


قائد فیلق القدس في حرس الثورة العميد اسماعيل قاآني: على قادة أميركا قليلي التدبير إدراك أن المقاومة تشكل جبهة واحدة


الأكثر مشاهدة

مصادر لبنانية: الاحتلال ينفذ تفجيراً في بلدة بني حيان جنوب لبنان


سماع دوي انفجارات من جانب البحر في مدينة لنگة جنوبي إيران


مصادر لبنانية: قصف مدفعي من جيش الاحتلال يستهدف وادي زبقين جنوب لبنان


وكالة «إرنا»: تقارير عن نشاط للدفاع الجوي في سماء جزيرة قشم جنوبي البلاد


وكالة الأنباء الإيرانية «إرنا»: سماع دوي خمسة انفجارات متتالية في جزيرة قشم ولم تعرف الأسباب حتى الآن


مصادر فلسطينية: جرحى برصاص قوات الاحتلال الاسرائيلي في منطقة الإقليمي جنوب مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة


العلاقات العامة لحرس الثورة: إسقاط مسيّرتين استطلاعيتين أمريكيتين من طراز MQM-170 في أجواء جنوب جزيرة قشم والاستيلاء عليهما


حرس الثورة: الدفاعات الجوفضائية تمكنت من اعتراض وتدمير الطائرة المسيرة المتقدمة رقم 55 من طراز MQ9 شرق مضيق هرمز


وكالة الأنباء المركزية الكورية (KCNA): كوريا الشمالية أعلنت أنها اختبرت صاروخ كروز استراتيجي يوم الاثنين


حرس الثورة: إصطياد طائرتين أمريكيتين من طراز (MQM-170) في جزيرة قشم


حرس الثورة يعلن عن تدمير طائرة مسيرة متطورة من طراز (MQ9)