عاجل:

إيران تفرض واقعاً جديداً على أمريكا.. و الهدنة تكشف تحوّل ميزان الردع

الخميس ٢٣ أبريل ٢٠٢٦
٠٩:٤٦ بتوقيت غرينتش
إيران تفرض واقعاً جديداً على أمريكا.. و الهدنة تكشف تحوّل ميزان الردع في مشهدٍ يعكس ذروة التعقيد في واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية المعاصرة، برزت إيران كطرفٍ قادر على فرض إيقاعه في ساحة صراعٍ مفتوحة مع الولايات المتحدة، بعدما تمكنت خلال المواجهة من تعزيز موقعها الاستراتيجي وترسيخ حضورها كقوة لا يمكن تجاوزها في أي تسوية قادمة.

وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مساء الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، في خطوة مفاجئة جاءت قبل ساعات قليلة من انتهاء المهلة المحددة للهدنة التي استمرت أسبوعين.

وهذا القرار لم يكن مجرد إجراء تكتيكي، بل مثّل تحوّلًا في مسار الأزمة، إذ عكس إدراكًا متزايدًا داخل واشنطن بأن خيار الحسم العسكري السريع لم يعد ممكنًا دون كلفة باهظة، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي.

فالتمديد، وفق ما نقلته تقارير من "رويترز" و"أكسيوس"، لم يكن خطوة مريحة للإدارة الأمريكية، بل جاء في ظل معطيات ميدانية ضاغطة، أبرزها تعثر تحقيق اختراق عسكري حاسم، واستنزاف متزايد في القدرات القتالية. كما أُشير إلى أن القرار ارتبط أيضًا بحاجة واشنطن إلى كسب الوقت لإعادة تقييم خياراتها، في ظل استمرار الحصار البحري والتوتر في مضيق هرمز.

وجاء التمديد استجابة مباشرة لجهود الوساطة الباكستانية التي تقودها باكستان، حيث برزت إسلام آباد كلاعب دبلوماسي محوري في محاولة نزع فتيل التصعيد، عبر استضافة جولات تفاوض غير مباشرة بين الطرفين.

ومع أن الجولة الأولى التي عقدت قبل أيام لم تسفر عن اختراق حقيقي، إلا أنها كشفت حجم التعقيد في الملفات المطروحة، من البرنامج النووي الإيراني إلى مضيق هرمز، مرورًا بالعقوبات والحصار البحري.

غير أن ما لم يُعلن رسميًا، بحسب تحليلات في "الغارديان" و"واشنطن بوست"، هو أن قرار التمديد جاء أيضًا نتيجة ضغوط اقتصادية عالمية متصاعدة، مع ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد المخاوف من اضطراب الإمدادات. كما لعب عامل استنزاف المخزون العسكري دورًا حاسمًا، حيث كشفت تقارير بحثية أن الولايات المتحدة استخدمت نسبًا كبيرة من صواريخها الدقيقة وأنظمة الدفاع خلال الأسابيع الماضية، ما فرض إيقاعًا أكثر حذرًا على صانع القرار.

في المقابل، بدت طهران حريصة على استثمار نتائج الحرب الأخيرة لترسيخ موقعها التفاوضي، رافضة الدخول في أي مسار سياسي تحت الضغط.

فبينما تصر واشنطن على شروط تتعلق بنقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب وتفكيك بعض القدرات العسكرية، تربط إيران أي تقدم برفع فوري للحصار والاعتراف بحقوقها السيادية، معتبرة أن ما تحقق ميدانيًا يمنحها هامشًا أوسع للمناورة.

إيران: من احتواء الضربات إلى فرض معادلات ردع جديدة

والحرب التي استمرت أكثر من أربعين يومًا لم تكن مجرد مواجهة تقليدية، بل شكلت اختبارًا حقيقيًا لقدرات إيران العسكرية والاستراتيجية. وعلى عكس التوقعات التي راهنت على إضعاف سريع للقدرات الإيرانية، أظهرت الوقائع أن طهران تمكنت من امتصاص الضربات الأولى، ثم الانتقال إلى مرحلة الرد المنظم الذي استهدف عمق المصالح الأمريكية في المنطقة.

فبحسب تقارير إعلامية غربية، بينها "نيويورك تايمز"، تعرض ما لا يقل عن 17 موقعًا أمريكيًا في الشرق الأوسط لأضرار متفاوتة، شملت قواعد عسكرية ومنشآت اتصالات ودفاع جوي، بل وحتى مواقع دبلوماسية. هذه الضربات، التي نُفذت باستخدام مزيج من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، عكست تطورًا نوعيًا في القدرة الإيرانية على تجاوز منظومات الدفاع، وإيصال الرسائل العسكرية بدقة.

كما أن ما ميّز الأداء الإيراني لم يكن فقط في كثافة الضربات، بل في الاستمرارية. فرغم اغتيال عدد من القادة العسكريين في بداية الحرب، تمكنت إيران من تعويضهم بسرعة، عبر تفعيل هياكل قيادة بديلة، والحفاظ على تسلسل القرار العسكري دون انقطاع.

وهذا الأمر أشار إليه عدد من مراكز الأبحاث الغربية، التي أكدت أن بنية النظام العسكري الإيراني مصممة لتحمل الصدمات، وليس الانهيار معها.

ولم تقتصر النتائج على الجانب الميداني، بل امتدت إلى التأثير على الجاهزية الأمريكية نفسها.

فقد كشفت تقارير لشبكة "سي إن إن" ومراكز أبحاث مثل "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" عن استنزاف كبير في مخزونات الصواريخ الأمريكية، حيث استُخدم نحو نصف مخزون بعض الأنظمة الدفاعية، ونسب كبيرة من الصواريخ الهجومية الدقيقة. هذا الاستنزاف فتح نقاشًا داخل واشنطن حول قدرة الجيش الأمريكي على خوض صراع آخر واسع النطاق في المدى القريب.

وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني أن فترة وقف إطلاق النار استُغلت لإعادة بناء القدرات العسكرية بوتيرة متسارعة، مؤكدًا أن إيران لم تفقد قدرتها على الرد، بل عززتها. بل إن بعض التصريحات ذهبت إلى أبعد من ذلك، مشيرة إلى أن أي جولة قادمة قد تحمل “مفاجآت تتجاوز حسابات الخصوم”، في إشارة إلى امتلاك أوراق جديدة لم تُستخدم بعد.

هدنة هشة… وواشنطن أمام معادلة معقدة

قرار ترامب بتمديد الهدنة لم يأتِ في فراغ، بل جاء نتيجة تراكم ضغوط متعددة. فالرئيس الأمريكي، الذي لوّح مرارًا باستئناف القصف، وجد نفسه أمام واقع مغاير: حرب لم تحقق حسمًا سريعًا، تكاليف اقتصادية متزايدة، وتراجع في التأييد الشعبي وفق استطلاعات حديثة.

وتشير تحليلات صحفية، بينها ما نشرته "واشنطن بوست"، إلى وجود ارتباك واضح في إدارة الملف، سواء في الرسائل السياسية أو في التنسيق داخل الإدارة. كما لفتت إلى تناقضات في التصريحات بشأن مسار المفاوضات، ما أضعف صورة الحسم التي حاولت واشنطن ترسيخها.

أما "نيويورك تايمز"، فقد ركزت على الفارق في أسلوب التفاوض، معتبرة أن إدارة ترامب تعتمد على “الدبلوماسية القسرية” القائمة على الضغط السريع، في حين تتبع طهران استراتيجية النفس الطويل، ما يفسر تعثر الوصول إلى اتفاق سريع. وفي السياق ذاته، رأت "ذا هيل" أن الحرب تحولت إلى عبء داخلي، مع ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد القلق الاقتصادي، وهو ما انعكس على المزاج الشعبي.

الخسائر الأمريكية وتراجع النفوذ

بالتوازي مع ذلك، بدأت صورة الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في المنطقة تتعرض لاهتزاز واضح. فإلى جانب الاستنزاف العسكري، كشفت الحرب عن هشاشة في شبكة الحلفاء، حيث أبدت بعض الدول الإقليمية تحفظًا متزايدًا على الانخراط في مواجهة مفتوحة.

كما أن الضربات التي طالت القواعد الأمريكية، واتساع نطاق التهديد، أظهرت أن الانتشار العسكري الواسع لم يعد ضمانة كافية للحماية. هذا الواقع دفع واشنطن إلى إعادة حساباتها، خصوصًا مع تزايد الكلفة الاقتصادية والضغط الداخلي.

مضيق هرمز: نقطة ارتكاز الصراع العالمي

في قلب هذه المواجهة، يبرز مضيق هرمز كأحد أهم مفاتيح الصراع. فالممر الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية تحول إلى ساحة شدّ حبال بين الطرفين.

وقد استخدمت إيران هذا المضيق كورقة ضغط استراتيجية، ملوّحة بإمكانية تعطيل الملاحة، وهو ما أثار قلقًا عالميًا واسعًا. في المقابل، حاولت الولايات المتحدة فرض حصار بحري دون الوصول إلى إغلاق كامل، لتجنب تداعيات اقتصادية كارثية.

إسرائيل بين الاستنزاف والقلق

على الجانب الإسرائيلي، كشفت الحرب عن تحدٍ غير مسبوق لمنظومات الدفاع الجوي. فمع كثافة الهجمات الصاروخية، تعرضت هذه المنظومات لضغط هائل، وأشارت تقارير إلى تراجع في مخزون الصواريخ الاعتراضية، ما أجبر الجيش على ترشيد استخدامها.

هذا الاستنزاف لم يصل إلى حد الانهيار، لكنه أظهر حدود القدرة الدفاعية في مواجهة هجمات مكثفة وطويلة الأمد. كما أثار قلقًا داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من أن أي جولة قادمة قد تكون أكثر صعوبة، خاصة إذا استمرت بنفس الوتيرة.

وساطة باكستان… محاولة لاحتواء الانفجار

وسط هذا التصعيد، برزت باكستان كوسيط رئيسي، مستفيدة من علاقاتها مع الطرفين. فقد قادت إسلام آباد جهودًا مكثفة لإقناع واشنطن بتمديد الهدنة، وفي الوقت نفسه حاولت دفع طهران للانخراط في المفاوضات.

ورغم أن الجولة الأولى لم تحقق اختراقًا، إلا أنها وضعت إطارًا أوليًا للحوار. غير أن إعلان إيران عدم المشاركة في جولة جديدة في الوقت الراهن، واشتراطها رفع الحصار، يعكس حجم التحديات التي تواجه الوساطة.

صراع مفتوح… وسباق على الوقت

في المحصلة، تبدو الأزمة الحالية أقرب إلى معركة “ليّ أذرع” ممتدة، حيث يحاول كل طرف تحسين موقعه قبل أي تسوية محتملة. واشنطن تستخدم أدوات الضغط العسكري والاقتصادي، بينما تراهن طهران على الصمود وتعزيز قدراتها، مستفيدة من نتائج الحرب الأخيرة.

ويرى مراقبون أن السيناريو الأقرب هو استمرار حالة “الهدنة الهشة”، دون اتفاق نهائي في المدى القريب، مع بقاء احتمال التصعيد قائمًا. لكن ما تغير فعليًا هو موقع إيران في المعادلة، إذ خرجت من الحرب بقدرة أكبر على فرض شروطها، وبصورة لاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه.

وفي ظل هذا التوازن الدقيق، تبقى الأسابيع المقبلة مفتوحة على كل الاحتمالات: إما نحو اتفاق يعيد رسم قواعد اللعبة، أو نحو جولة جديدة من المواجهة قد تكون أكثر شدة واتساعًا، في منطقة لم تعد تحتمل مزيدًا من الاضطراب.

المصدر: المطلع

0% ...

آخرالاخبار

مصادر فلسطينية: قوات الاحتــلال تقتحم بلدة سيلة الظهر جنوب جنين


مصادر فلسطينة: مصابون أحدهم حالته حرجة جراء استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية خيمة تؤوي نازحين غربي بلدة الزوايدة


مصادر فلسطينية: تجدد المواجهات في بلدة "سلواد" شمال شرق رام الله، والاحتلال يُطلق قنابل الغاز


مصادر فلسطينية: قوات الاحتـلال تدهم منزلا خلال اقتحام بلدة بلعا شمال طولكرم


قوات الاحتلال تقتحم بلدتي دير الغصون وبلعا في طولكرم


مصادر فلسطينية: قوات الاحتــلال تشن حملة دهم واعتقالات خلال اقتحامها مدينة قلقيلية


العميد سريع: 104 غارة للعدوان السعودي خلال 24 ساعة


المتحدث باسم وزارة الصحة اليمنية: التصعيد السعودي الأخير أسفر عن استشهاد 266 مدنياً بينهم 86 طفلًا و38 امرأة وإصابة 641 آخرين


زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي شاك شومر: الحرب على إيران يجب أن تنتهي وسنحاصر ترمب تشريعيا إذا لم يمتثل لإرادة الشعب


بقائي يرد على تصريحات وزير الخارجية الألماني


الأكثر مشاهدة

رئيسة المفوضية الأوروبية: إغلاق مضيق هرمز كلف أوروبا 127 مليار يورو إضافية من دون أن تصلها ذرة طاقة إضافية واحدة


‏لجنة الحملات الديمقراطية في الكونغرس: واثقون من الفوز لكن كل السيناريوهات واردة


"القناة 12" الصهيونية: حالة من الارتباك والقلق داخل المؤسسة الأمنية عقب تصريحات ترامب بشأن وقف المساعدات لـ"إسرائيل"


الحرب على إيران ترفع تكاليف مشاريع النفط


حاكم فلوريدا الجمهوري: جمهوريون يضللون الناخبين بعدم الاعتراف بأن الحرب على إيران أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود


الجيش الايراني: إدراك طبيعة التهديد والحفاظ على اليقظة الوطنية ضرورة دائمة


كوريا الشمالية تحذر من رد أقوى على "عدائية" الولايات المتحدة


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف وادي الحجير في جنوب لبنان


إغلاق صناديق الاقتراع في ولايات نورث كارولاينا وأوهايو ووايومينغ


فوز الديمقراطيين بـ41 مقعدا والجمهوريين بـ31 مقعدا في مجلس الشيوخ


فوز الديمقراطيين بـ20 مقعدا والجمهوريين بـ10 مقاعد في مجلس النواب