عاجل:

عندما تتجرّأ «الأبستينيّة» على الحارس الأمين لمنهج السيّد المسيح- بقلم الوزير اللبناني السابق محمد وسام المرتضى

السبت ١٨ أبريل ٢٠٢٦
٠٤:٢٧ بتوقيت غرينتش
عندما تتجرّأ «الأبستينيّة» على الحارس الأمين لمنهج السيّد المسيح-  بقلم الوزير اللبناني السابق محمد وسام المرتضى في زمنٍ أمعن فيه ترامب وإدارته، ومَن يقف خلفها من دوائر النفوذ العميقة، في توظيف المسيحية وشعاراتها وصلواتها، لتبرير حربه في المنطقة واستدرار الغطاء المعنوي لها، خرج قداسة البابا ليُدين هذه الحرب بكلامٍ شجاعٍ لا لَبس فيه، معبّراً بذلك عن رفضٍ صريح لها، ومؤكّداً براءة المسيحية براءةً كلّيةً منها.

ولم يأتِ هذا الموقف بوصفه رأياً شخصياً عن قداسته، بل كصوت الكنيسة الكاثوليكية الجامعة، بما تمثّله من ثقلٍ روحي وأخلاقي عالمي. فالبابا، بصفته رأس هذه الكنيسة، لم يتحدّث من موقعٍ سياسي أو ضمن اصطفافٍ دولي، بل من موقعٍ لاهوتي وأخلاقي، يستند إلى الإنجيل وتعاليم السيّد المسيح، الذي يضع كرامة الإنسان فوق كل اعتبار، ويجعل من رفض العدوان قاعدةً مبدئية لا تقبل التكييف أو الاستثناء.

ومن هذا المنطلق، لا تُفهم إدانة الحرب بوصفها موقفاً موجّهاً ضدّ طرفٍ بعينه، بل تثبيتاً لمبدأ مسيحي راسخ: أنّ الحرب، متى تجاوزت حدود الدفاع المشروع وانقلبت إلى اعتداءٍ على الإنسان، تصبح فعلاً غير مشروع أخلاقياً وروحياً، مهما تعدّدت مبرّراتها وتنوّعت غطاءاتها، السياسية منها أو الدينية، أو حتى تلك المستندة إلى قراءاتٍ منحرفة للإنتماء المسيحي.

وتكمن أهمية هذا الموقف، في أنّه يُعيد المساواة بين البشر في القيمة والكرامة، فلا يُميّز بين مسلمٍ ومسيحي، ولا بين شرقٍ وغرب، بل ينطلق من رؤيةٍ ترى في الإنسان صورةً للكرامة الإلهية، فيصبح أيّ عدوانٍ عليه اعتداءً على جوهر هذه الكرامة، أياً كان مرتكبه، وأياً كانت الشعارات التي يتلطّى خلفها.

ومن هنا، يغدو صوت البابا رفضاً واضحاً لكل محاولةٍ لـ «تديين» هذه الحرب أو تسييس الدين لخدمتها، وقطعاً للطريق على أي خطابٍ يسعى إلى منح الظلم شرعيةً روحية زائفة. فالكنيسة، في معناها الرسولي الأصيل، لا يمكن أن تكون غطاءً للقتل، بل شهادةً دائمة ضدّ الإبادة والغطرسة والاستعباد.

إنّه موقف يُعيد تثبيت الفارق بين الدين المسيحي كرسالة سلام، وبين توظيفه كأداة في مشروعٍ يسعى إلى إخضاع الأرض وما عليها. ويذكّر بأنّ المرجعية المسيحية، حين تبقى وفيةً لذاتها، لا تنحاز إلّا للإنسان بوصفه قيمةً مطلقة، لا تُجزّأ ولا تُقاس بميزان الهوية أو المصلحة السياسية.

في المقابل، يبرز خطاب ترامب ومواقفه وممارساته، كنموذجٍ لمنهجيةٍ سياسية تميل إلى الإلغاء لا التعدّد، وإلى إخضاع المرجعيات لا التحاور معها. إنّها مقاربة تقوم على فكرةٍ مركزية مفادها أنّ الشرعية تُقاس بمدى الانسجام مع إرادة الـ Big Boss، الذي تدغدغه فكرة جعل الكل يسعون إلى الخنوع له واسترضائه كما عبّر هو بعبارته المقيتة «Kissing My Ass» لا بمدى استقلالية المؤسسات أو الرموز الأخلاقية.

ومن هنا، فإنّ التهجّم على البابا لا يُختزل في خلافٍ سياسي عابر، بل يكشف نزعةً أعمق تسعى إلى تطويع حتى أكثر المرجعيات استقلالاً، وكأنّ المطلوب كسر أي صوتٍ لا ينخرط في منطق الاصطفاف. فحين يُستهدف موقع البابوية، فإنّ الاستهداف يتجاوز الشخص إلى الفكرة: فكرة وجود مرجعيةٍ ترفض الخضوع وشعوبٍ تأبى الركوع.

خطورة هذه المنهجية أنّها لا تكتفي بإعادة تعريف السياسة، بل تحاول إعادة تعريف العالم على قاعدة واحدة: لا صوت يعلو فوق منطق السيطرة. أمّا المرجعيات الأخلاقية، فيُراد لها أن تتحوَّل إلى أدوات، أو أن تُدفع إلى الهامش إن استعصت على التدجين.

في المقابل، يبقى الموقف الكنسي شاهداً على أنّ الإنسان لا يُقاس بميزان القوّة وحده، وأنّ هناك مساحةً يجب أن تبقى خارج الترويض السياسي، حيث يُقال ما يجب أن يُقال باسم الضمير، لا باسم الاسترضاء والخضوع والخنوع.

وهكذا، لا يعود السجال مجرّد خلافٍ بين طرفَين، بل مواجهة بين منطقَين: منطقٍ يسعى إلى إخضاع كلّ شيء، ومنطقٍ يُصرّ على إبقاء حدودٍ لا تُمسّ، لكرامة الإنسان وضميره وحقّه في العيش بحرّية.

ولتكتمل صورة الانفلات، نشر ترامب على حسابه في «إكس» صورةً له متقمّصاً هيئة السيّد المسيح: نورٌ في يسراه، ويده اليمنى تبثّ الشفاء في الأرض. أيّ تشويهٍ هذا؟ وأيّ تجرّؤ على المعنى والقيمة؟ وكأنّ صاحبها انتقل من منطق فرض الهيمنة واستلاب الثروات بالبطش إلى حالةٍ أكثر تفلّتاً، يُلامس فيها جنون العظمة حدّ الادّعاء الصريح : «أنا ربّكم الأعلى فاعبدون».

والمفارقة الصارخة لا تكمن فقط في هذا الانتفاخ، بل في التناقض بين هذه الصورة «الخلاصية» وما تختزنه شخصية المنتحل من «أبستينيّة» وعدوانية، المسيحية وقيمها بريئتان منها كلّ البراءة، تجعل بين المذكور والسيّد المسيح سنوات ضوئية.

يشبّه نفسه بالمسيح - يقول أحد الأصدقاء مستنكراً - ثم يضيف بمرارة: لو كان المسيح بيننا اليوم، لسعى إلى صلبه من جديد!

بقلم الوزير اللبناني السابق محمد وسام المرتضى

0% ...

آخرالاخبار

هل أصبحنا أمام حرب المضائق؟


غارتان إسرائيليتان استهدفتا بلدة المنصوري جنوب لبنان


نائب منسّق الجيش الإيراني الأدميرال حبيب الله سياري: عدونا مجبر على مغادرة المنطقة مهزوما ومخزيا


صنعاء تتوعد برد أقوى وأشد مقابل اي تصعيد سعودي


المستشار الألماني فريدريش ميرتس يقرّ بـ"كارثة" لحزبه إثر تقدّم اليمين المتطرف في الانتخابات المحلية


البرلمان الإيراني يقر إلزام استخدام اسم "الخليج الفارسي" في المفاوضات والمعاهدات


الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان:  يجب ألا نسمح بتوقف الإنتاج بأي حال من الأحوال  


الأدميرال سيّاري: اليوم لم يتمكن عدونا من تحقيق أي من أهدافه بما في ذلك المساس بوحدة أراضي إيران الإسلامية ونظامها المقدس وهو مُجبر على مغادرة المنطقة مهزوما ومخزيا  


مقر خاتم الأنبياء تحذر أمريكا ودول المنطقة من ارتكاب أي خطأ في الحسابات


مقتل مستوطن إسرائيلي في عملية إطلاق نار قرب مستوطنة حلميش +فيديو


الأكثر مشاهدة

]فوكس نيوز في استطلاع رأي جديد: 71% من الأميركيين يعتقدون أن إدارة ترامب تفتقر إلى استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب مع إيران


مصادر عربية: مجددًا انفجارات جديدة تهز جازان وابها وجدة


رئيس البرلمان الإيراني للقوات الأميركية: ما كان كابوساً مرعباً لكم يوماً ما أصبح الآن واقعاً


مصادر فلسطينية: آليات الاحتلال الإسرائيلي تطلق النار شرق حي التفاح شمال شرقي مدينة غزة


الخارجية الإيرانية تدين الهجوم الإرهابي في باكستان


رد قاليباف على رئيس الاركان الاميركي: كابوسكم أصبح الآن واقعًا


مصادر لبنانية: قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف وادي السلوقي في جنوب لبنان


البيت الأبيض: ترامب يوقع مشروع قانون العقوبات على روسيا وإيران ليصبح قانونا


إعلام سعودي: إطلاق إنذار في محافظة فرسان للتحذير من خطر


النائبة الامريكية الديمقراطية ماغي غودلاندر: نقود مبادرة تشريعية ستمنع وزير الحرب والبنتاغون من التستر على أعداد الضحايا في صفوف القوات


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تطلق الرصاص الحي تجاه مركبة بالقرب من حاجز حوارة شرق مدينة نابلس