والاخطر من ذلك ان هذا العداء الاميركي الحاقد لهذه الدولة الفلسطينية الوهمية والشعب الذي يقف خلفها، ويتطلع اليها، لرمزيتها، لم يتوقف داخل اروقة الامم المتحدة فقط، بل امتدت الذراع الاميركية الطويلة الى منظمة اليونيسكو لمنع قبول المنظمة عضوية فلسطين فيها.
لا نعرف ماذا فعل الشعب الفلسطيني لاميركا لكي تتخذ مثل هذه المواقف المغرقة في عدائها له، فهو لم يحتل اميركا، ولم ينفذ عملية ارهابية واحدة على ارضها، وقبلت سلطته بكل مقترحاتها بل واملاءاتها للانخراط في مفاوضات عبثية مهينة مع اسرائيل.
هذه القوة الاكبر في العالم غزت كلا من العراق وافغانستان وارسلت طائراتها للتدخل في اطار حلف الناتو لتغيير النظام في ليبيا، كل ذلك تم تحت عناوين حقوق الانسان والعدالة والديمقراطية، ودفعت الادارة الاميركية ودافع الضرائب الاميركي اكثر من تريليون دولار خسائر مادية وخمسة آلاف قتيل واربعين الف جريح. ولكن عندما يتعلق الامر بحقوق الانسان الفلسطيني وحقه في قيام دولته، بل ونيل اعتراف رمزي بها يؤهلها الى الانضمام الى المنظمة الدولية تتنمر الادارة الاميركية وتستأسد، وتفرض عضلاتها المالية والعسكرية لمنع هذا الاعتراف.
كان مخجلا ان تقود الادارة الاميركية عملية تحريض في منظمة اليونيسكو لرفض طلب عضوية فلسطين، وكان معيباً وغير اخلاقي ان يقوم المندوب الاميركي في المنظمة بالاتصال بمندوبي الدول واحداً واحداً في المنظمة لحثهم على رفض توصية المجلس التنفيذي لهذه الوكالة الدولية بمنح فلسطين عضوية كاملة فيها، وفق ما اعلن هذا المندوب امس على رؤوس الاشهاد وكأنه يفتخر بهذا الانجاز العظيم.
منظمة اليونيسكو ليست محكمة جرائم الحرب الدولية، ولا هي منظمة التجارة العالمية، ولا حتى مجلس حقوق الانسان، وانما منظمة حضارية تهتم بالثقافة وموروثاتها، فماذا يضر الولايات المتحدة اذا ما انضمت الى عضويتها دولة فلسطين؟
انها اسرائيل الدولة العنصرية التي توظف القوة الاعظم في التاريخ في خدمة سياساتها وأهدافها العدوانية والعنصرية لطمس هوية شعب وحضارته، وحرمانه من ابسط حقوقه المشروعة، ومن المؤسف ان الادارة الاميركية ترضخ لمثل هذا الابتزاز وتستسلم له بطريقة مهينة ومذلة.
فلسطين كانت مركز اشعاع حضاري وموطن الاديان السماوية قبل ان تظهر الولايات المتحدة الى الوجود بآلاف السنين، وستظل كذلك بعد انهيار القوة الاميركية وأفول امبراطوريتها مثلما انهارت كل الامبراطوريات السابقة، وستنهار اسرائيل ايضاً مثلما انهارت كل الانظمة العنصرية المماثلة، وستعود فلسطين ارضاً وموطناً للتسامح بين الاديان والحضارات دون اي تفرقة او تمييز.
*القدس العربي