اميركا والسعودية وثنائية ضرب الصحوة الاسلامية

الأربعاء ٢٨ سبتمبر ٢٠١١
١٠:٥١ بتوقيت غرينتش
اميركا والسعودية وثنائية ضرب الصحوة الاسلامية ربما يعجز المرء عن احصاء سلسلة الادوار السلبية للسعودية في المنطقة و العالم الاسلامي منذ استتباب الامور للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن(عام 1932) في شبه الجزيرة العربية، و ذلك عقب حسم الصراع بين الهاشميين في الحجاز و النجديين في الدرعية لفائدة ال سعود والدعوة الوهابية المشبوهة (عام 1927) ، بمساندة قوية من الاستعمار البريطاني .

وتتواصل هذه المساندة حتى الان، على خلفية الخدمات الجزيلة التي تسديها الرياض للادارة الاميركية و الحكومات الاوروبية ولاسيما في الوقت الحاضر، حيث تعيش الامة زمن الثورات الشعبية المناهضة للدكتاتورية والتواطؤ مع المشروع الصهيوني.

فبالرغم من ان رياح التغيير قد هبت على المنطقة منذ كانون الثاني /يناير من العام الجاري 2011، واطاحت باعتى نظامين تابعين للتحالف الغربي الاسرائيلي في تونس ومصر، وهي ما برحت تحاول اقتلاع انظمة اخرى باعت نفسها للغرب المتصهين، وفرطت بكرامة شعوبها المؤمنة كما هو الحال في البحرين واليمن والاردن ، الا ان التحالفات المعقدة التي تقودها اميركا والرياض، تعرقل مسار التحولات المرتقبة وتحاول الحيلولة دون سقوط المعاقل الاخرى المرتبطة مصيريا بالاستراتيجية الهيمنية للولايات المتحدة و الاتحاد الاوروبي.

و لقد خول الغرب حلف الناتو من جانب مهمة استخدام الحل العسكري الكاسح في ليبيا تحت ذريعة دعم الثورة الشعبية هناك ، فيما حمل الرياض من جانب اخر مسؤولية ضرب الثورات المماثلة بالبحرين و اليمن ، والحاق الهزيمة بالانتصار الرائع للثوار المصريين و التونسيين ، في مشهد يعكس النفاق السياسي و المعايير المزدوجة لدى المتشدقين بمبادئ حقوق الانسان و القيم الحضارية.

ومع التذكير بان النظام السعودي يمتلك تجربة وخبرة واسعة في مضمار العمل السياسي والاعلامي و الطائفي على مستوى التشويه و الاساءة الى انتصارالمقاومة الاسلامية اللبنانية على العدو الاسرائيلي في حرب الـ33 يوما عام 2006 ، فانه يمكن القطع بان هذا النظام يمارس اليوم دورا محوريا خطيرا في سياق اجهاض الثورات الشعبية، ومنعها من تحقيق غاياتها.

فقد اقحم نفسه عسكريا وتحت ذريعة ما يسمى بقوات درع الجزيرة، في احداث البحرين وتعمد اثارة كراهية ونفورالشعب الثائرهناك طلبا لاصلاحات دستورية مشروعة، غير ابه بالعواقب الوخيمة لهذا التدخل البربري على مستقبل الاوضاع في منطقة الخليج الفارسي.

اما تدخل السعوديين في ثورة اليمن وتطوراتها، فانه يرتبط بتاريخ العلاقة القلقة والتجاذبات القائمة بين صنعاء والرياض، وسياسة الاخيرة المستندة الى فرض الوصاية على الاولى في جميع تفاصيل حياتها السياسية والدينية والاقتصادية والعسكرية والقبلية ، ولاشك في ان الحرب السعودية الطائفية ضد الحوثيين في جبال صعدة ، ابرز نموذج يؤكد هذا القاطع.

لقد كانت المملكة السعودية مرشحة اكثر من سواها للتاثر برياح التغيير، بيد ان النفاق السياسي الغربي الذي تظاهر بدعم الثورات الشعبية رغم اسلامية شعاراتها ومواقفها، تحاشى تماما استفزاز الحالة السعودية قيد انملة، فضلا عن انه ساعد الرياض على احتواء تلك الاحتجاجات الداخلية التي لو انها حدثت في اي بلد اخر لصنع الاميركيون والاوروبيون منها ضجة عالمية عارمة ربما يشيب من هولها الاطفال والرضع.

ويرى المراقبون ان السعوديين يتظاهرون امام العرب والمسلمين على الدوام ، بانهم متبرمون من سياسات الولايات المتحدة في الشرق الاوسط ، لكنهم لم يترددوا وراء الكواليس قط في طمانة المسؤولين الاميركيين و لا سيما اصحاب الراسماليات الضخمة بان هذه السياسات لن تعرض علاقات الرياض مع واشنطن للخطر، والسبب يعود الى ان الشراكة القائمة بينهما في الدفاع والطاقة هي علاقات عميقة، بحيث ان الامراء السعوديين واتباعهم المخلصين في دول مجلس التعاون لا يمكن ان يصلوا الى قطيعة في هذين المجالين مع واشنطن.

فالولايات المتحدة هي اول مصدر للسلاح الرئيسي للرياض، وتستمر في تدريب قواتها. بالاضافة الى ذلك يعيد المراقبون الى الاذهان توقيع صفقة اسلحة بقيمة تزيد على 60 مليار دولار اعلن امام الكونغرس في تشرين الاول /اكتوبر من العام 2010 ، وفي حزيران /يونيو2011 تم الاعلان عن مبلغ اضافي قدره 3.7 مليار دولار في مبيعات الاسلحة، والتي تشمل انظمة باتريوت الدفاعية الصاروخية للقنابل العنقودية. هذا عدا عن المستشارين الاميركيين الامنيين الذين ينتشرون في طول البلاد وعرضها بالسعودية.

وتفيد الدراسات الشرق اوسطية ان الرياض و واشنطن تتقاسمان المصالح فيما يتعلق بالنفط والامن لعدة عقود، مما يؤدي تلقائيا الى تعزيز وتطوير العلاقات الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية التي من غير المرجح ان تتغير في المستقبل المنظور.

مما سبق واضح ان الثنائي الاميركي – السعودي وبما يجمعهما من قواسم مشتركة اهمها التوافق على ضرب الصحوة الاسلامية المعاصرة، يفضلان حاليا تقاسم الادوار في مضمار اجهاض الثورات العربية، وتجميد صيرورتها التغييرية الجارفة ، بعدما وجدا ان رياح التغيير تجري بما لا تشتهي سفن النظام الراسمالي العالمي ، خاصة وانها احدثت خرقها الفظيع – براي الاستكبار العالمي – وهي اعظم انجازاتها عند الامة طبعا ، عندما اقتحم المجاهدون المصريون الغيارى سفارة العدو الصهيوني في القاهرة وطردوا السفير والدبلوماسيين الاسرائيليين من البلاد شر طردة، في لحظة من لحظات المجد الاسلامي الباعث على العزة والشموخ ، وهو امر لم يكن في حسبان ادعياء الديمقراطية وحقوق الانسان الغربيين الذين يعتبرون اي مساس بالدولة العبرية جريمة لاتغتفر.

لقد اطلقت اميركا وحليفاتها وبتواطؤ ملحوظ من حكومة ال سعود واتباعهم، وبالتوازي مع النفاق السياسي الذي تطبقه تفاديا لعدم انفلات الاوضاع الشعبية في العالم الاسلامي، حملة سياسية واقتصادية واعلامية وحتى عسكرية (ليبيا نموذجا)، بغية تجريد الثورات العربية من الاهداف والغايات التي قامت من اجلها، وفي مقدمتها تقويض البنى التحتية للانظمة الفاسدة المستبدة، وهوما نشاهده بوضوح في تونس ومصر، ناهيك عما تعاملت به واشنطن والعواصم الغربية الاخرى من تعام واستخفاف مخزيين مع ثورة الشعب البحريني، والتي جوبهت- وبتدخل عسكري سعودي ظالم- باقسى اشكال القمع والتعسف والمطاردة والزج في السجون والطرد من الوظائف والجامعات والمدارس والمحاكم الصورية، وكانت الرياض قطب الرحى في ادارة هذه المجزرة حيث لم تستطع الوهابية العمياء، ان تتمالك ضغائنها واحقادها الطائفية ، فامعنت قتلا وتنكيلا و ترويعا في ابناء البحرين تحت يافطة ما يسمى بقوات درع الجزيرة وهي قوات لم يات لها اي ذكر - و الحمد لله - خلال معارك الامة الاسلامية في معارك تحرير فلسطين ومواجهة العربدة الصهيونية طيلة العقود الستة الماضية.

على صعيد اخر تمارس السعودية، دورا مكشوفا في جمهورية اليمن، للابقاء على الموازائيك السياسي والعسكري والقبلي هناك على حاله باعتباره متناغما مع اجندة الرياض و سياساتها.

ومن الثابت ان عودة الرئيس علي عبدالله صالح الى صنعاء من السعودية بعد ثلاثة اشهر من المعالجة ،هو مؤشر قوي يفضح تلازم الدورين السعودي ـ الاميركي، في سبيل افشال الثورة التحررية الحضارية في اليمن واحباط عنفوانها، وزعزعة تنظيمها الرائع وان التصعيد العسكري الحالي يعطي انطباعا واضحا عن السيناريوالجديد الذي باتت اهدافه معلومة على صعيد واد الثورة الشعبية ومصادرة تضحياتها وتبديد منجزاتها في هذا البلد.

اللافت ان السلطات السعودية تحاول الايحاء بانها بمناى عن الثورات الراهنة وتتظاهر بعدم ابداء ردود افعال واضحة حيالها الا انها بمواقفها المحكومة بالكثير من الغموض تعمل العكس تماما، ويتجلى ذلك في احتضانها الدكتاتور التونسي الهارب زين العابدين بن علي ، واستقبالها الرئيس اليمني علي عبدالله صالح فترة من الزمن للعلاج من جانب، وقيامها من جانب اخر ـ وحسب صحيفة نيويورك تايمز بتقديم مبلغ 4 مليارات دولار لمصر كمساعدة لها من اجل ان تتجاوز التدهور الاقتصادي فيها بعد الثورة، وسط تحليلات المراقبين القائلة ان المبلغ المذكور لم يكن سوى رشوة قدمتها الرياض الى المجلس العسكري الحاكم في القاهرة، بغية تمرير محاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك ونجليه واركان حكمه بما يؤدي الى حفظ ماء الوجه ودون ان يحقق الثوار المصريون مبتغاهم في مقاضاة المسؤولين الحقيقيين عن معاناتهم و انتكاساتهم .

الى ذلك فان مواقف الرياض المتضاربة الاخرى كدعوة المغرب والاردن للانضمام الى عضوية دول مجلس التعاون في سبيل دعم سياساته الراضخة للاملاءات الاميركية و مباركة دوره المريب في التحريض على الفوضى والتمرد المسلح وعرقلة الخطوات الاصلاحية في سورية، وكذلك تشجيع الوهابيين والمتطرفين و التكفيريين على اثارة النعرات الطائفية والمذهبية في مصر ومختلف ارجاء العالم الاسلامي و..الخ ، تثبت حقيقة ان هذه الدولة البدوية البترولية المسكونة بالصراعات، تمارس مهمة مزدوجة تنطوي على ديماغوجية مقيتة.

مهمة تستهدف الامساك بخيوط التغييرات الحاصلة في المنطقة العربية واخضاعها لسيطرة اميركا وحلف الناتو والتفوق الصهيوني في الشرق الاوسط من جهة، وتسعى من جهة اخرى الى اخماد الغليان والنقمة الجماهيرية المتفاقمة التي تجتاح المملكة السعودية، نتيجة للتناقضات التي بدات شيئا فشيئا تزلزل قواعدها السياسية والعقائدية وحتى القبلية جراء تراكم الاخطاء فيها.

في ظل ذلك يعتقد الخبراء بشؤون المنطقة ان القرارالاخير للعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز، السماح للسيدات والنساء باحراز العضوية في مجلس الشورى وخوض انتخابات المجالس البلدية خلال الدورات القادمة ، لن تكون سوى فرقعة سياسية ، في مواجهة ما ينتظر بلاد الحرمين الشريفين من ثورة اسلامية اصلاحية كبرى تلوح في الافق من اجل تقويم الاوضاع والعقائد الفاسدة في ربوع مهبط الوحي ومنطلق الرسالة المحمدية العظيمة.

* حميد حلمي زادة

? 

0% ...

آخرالاخبار

الرئيس الصهیونی يحدد موعد الإعلان عن اسم الشخصية المكلّفة بتشكيل الحكومة المقبلة


وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لنيويورك تايمز: لا أخطط لمغادرة منصبي في إدارة ترمب


"يونيفيل": نواصل مهامنا في جنوب لبنان حتى انتهاء ولايتنا بنهاية العام الجاري


رئيس المنظمة الايرانية للحج والزيارة يبدأ زيارة الى السعودية بدعوة من نظيره السعودي


إسلامي: تهديد ترامب بشن هجوم على جبل كلنج دليل على العجز


ترامب حول النزاع الأوكراني: أعتقد أننا سننهي الأمر قريبا جدا ربما قريبا جدا


البرلمان التركي يصدق على "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والسعودية


السيطرة على سادس طائرة استطلاع أمريكية مسيّرة من طراز MQM-170 في سماء جزيرة قشم


الرئيس الصهيوني: سأعلن يوم الأحد اسم المكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة


فرانس برس: ١.٦ مليون شخص في مختلف أنحاء فرنسا يشاركون في احتجاجات على على ارتفاع الأسعار


الأكثر مشاهدة

القناة 13 "الإسرائيلية": هزيمة تاريخية لترامب في انتخابات التجديد النصفي وتداعيات خطيرة على "إسرائيل"


مصادر إعلامية: صفقة ترامب مع روسيا بشأن وقود الديزل تتوقف بسبب انخفاض مخزونات الوقود الأمريكية إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا


اعلام ألماني: العثور على وزير الاقتصاد بافاريا أيفانغر ميتا في أحد فنادق برلين


مصادر لبنانية: غارة لطيران العدو الإسرائيلي تستهدف المنطقة الواقعة بين بلدتي مركبا وطلوسة في جنوب لبنان


عراقجي يؤكد على تعزيز العلاقات بين إيران وبولندا


أكسيوس: زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة المجلس في رسالة وجهها إلى زملائه


وكالة أنباء كوريا الشمالية: تجربة إطلاق ناجحة لمنظومة صواريخ متطورة للدفاع الجوي


الصحة اليمنية: استشهاد 7 مدنيين بينهم طفلان وإصابة 6 أطفال بجراح من جراء استهداف الطائرات السعودية منزلا غربي تعز


بقائي يرد على تصريحات وزير الخارجية الألماني


مصادر فلسطينية: تجدد المواجهات في بلدة "سلواد" شمال شرق رام الله، والاحتلال يُطلق قنابل الغاز


زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي شاك شومر: الحرب على إيران يجب أن تنتهي وسنحاصر ترمب تشريعيا إذا لم يمتثل لإرادة الشعب