الثابت ان ثمة اجماعا شعبيا ورسميا في العراق على خروج القوات الغربية حسب المهلة المحددة، فيما ثمة قوى سياسية معروفة فشلت في الاستحواذ على مقاليد السلطة وتسير عكس تيار العمل الوطني، لايهمها فعلا اتمام الانسحاب الاميركي، وليست جادة في عملية اقرار السلم الاهلي ، ضغطا على حكومة السيد نوري المالكي وتشهيرا بكل منجزاتها وجهودها المخلصة.
و من الواضح ان أعمال القتل و الجزرة المروعة التي انطلقت من منطقة( النخيب) بمحافظة الانبار ومرورا بسلسلة الاغتيالات في طول البلاد وعرضها وانتهاء بالتفجيرات الغادرة في محافظة كربلاء المشرفة، تعبر بمجملها عن رسائل وتسريبات تحذيرية عما يمكن ان يجري في العراق حالما يتم الجلاء الكامل، وسط معلومات اخرى عن وجود تحركات في صفوف القوات المسلحة للقيام بانقلاب عسكري يعيد الاوضاع الى المربع الاول، حيث الدكتاتورية والقمع الدموي والتمييز الطائفي والعرقي وكأن شيئا لم يكن.
ويبدوان الاستراتيجية الاميركية الاوروبية التي زجت نفسها (عبر الناتو) بشؤون المنطقة، ارتأت اشغال العراقيين مجددا بالانفلات الامني، حتى استكمال برامجها العسكرية في ليبيا الغنية باحتياطات النفط والغاز، وصولا الى تكبيلها هي الاخرى باتفاقيات مشروطة فيما يتصل بثرواتها البترولية التي يفترض وفقا لخطة الاحتكارات العالمية ان تتدفق بسلاسة وبأرخص الاسعار الى اوروبا واميركا وكندا و استراليا و الدول المتحالفة معها .
كما ان هذه الاستراتيجية تحظى بدعم من السلطات السعودية التي تنفخ في كير الفتنة الطائفية و المذهبية من خلال دعم التكفيريين و الوهابيين المتعطشين لدماء اتباع اهل البيت عليهم السلام في العراق و المنطقة بشكل عام ، ومن جهة اخرى تحاول السعودية ومعها تركيا وقطر بشتى الوسائل اللامشروعة والمزاعم الكاذبة تبديل سوريا الى فوضى عارمة واسقاط النظام السوري، ابتغاء إلحاق اكبر هزيمة نفسية بهذا الموقع الصامد ، بعدما فشلت ضغوطها السياسية والاقتصادية و الاعلامية السابقة في اجبار دمشق على التراجع عن ثوابتها المبدئية وفي مقدمتها دعم قوى المقاومة في لبنان و فلسطين .
لقد برهنت اعمال الغزو الاجنبية للناتو بزعامة الولايات المتحدة الاميركية على زيف الادعاءات والشعارات البراقة لواشنطن والحكومات الاوروبية في مضمار التبشير بإشاعة السلام والامن و الديمقراطيات و الحريات في دول المنطقة، و قد بات واضحا ان تسعير الازمات والتوترات و الاضطرابات بنطاق واسع ، كان هو الحصيلة النهائية جراء التدخلات الخارجية في العالم الاسلامي، وان ما يحصل في العراق وليبيا و سورية و البحرين و اليمن راهنا ، هو نموذج صارخ يكشف النقاب عن حقيقة الاجندة الغربية.. حقيقة مفادها ان السلام الحقيقي يجب ان يكون خالصا لاسرائيل والصهاينة القتلة فقط ، وان اميركا و الناتو لا يعنيهما من الامر شيئا ان تتحول البلدان العربية و الاسلامية بأسرها الى حرائق وخربات وحروب اهلية، مالم تتحقق مآربها الاستغلالية اللامحدودة.
*حميد حلمي زادة