لن تقف نتائج العدوان الإسرائيلي على أسطول الحرية «المدني الدولي الإنساني» لكسر الحصار حول قطاع غزة، وما أسفر عنه إجراماً وردود فعل أولى، عند حدود ما يمكن استخلاصه منها لحظة وقوع العدوان نفسه، ولا عند حدود ما صدر من تصريحات رسمية بصياغات قد تستهدف تمرير مفعول «الغضب» أو «المفاجأة»، ثمّ العودة بعد فترة وجيزة إلى «روتينية» الاستخذاء محلياً وإقليمياً، ومواصلة العدوان المتواصل والمتصاعد منذ أكثر من ستة عقود، إسرائيلياَ ودولياً.
الإجرام والتعامل مع الإجرام
أوّل ما يكشف عنه العدوان العسكري على أسطول الحرية أمران اثنان على الأقلّ:
الأول: لا يوجد «خط أحمر» بشأن تصعيد ارتكاب الجريمة في تغييب الردع قبل ارتكابها وغياب العقوبة بعد ارتكابها، فمنذ بقاء هيروشيما وناكازاكي دون محاسبة ولا عقوبة، بدأت النقلة النوعية للحروب العسكرية بحيث باتت تستهدف المدنيين وتسبب الضحايا في صفوفهم بأضعاف ما تسببه على صعيد المقاتلين، ومنذ مذبحة «دير ياسين» الإجرامية بعد مسلسل إجرامي سبقها، تراجعت سياسة محاولة «الردع» الإقليمي تدريجياً إلى منحدر «التراجع» حتى بلغت مستوى «خيار السلام الاستراتيجي الوحيد».. أي الامتناع عن «محاولة الردع» جملة وتفصيلاً.
لا يمكن تبرئة الأطراف العربية ناهيك عن الأطراف الدولية من المشاركة في حمل مسؤولية ما حدث في «عرض البحر» دون أن ينتقص ذلك شيئاً من المسؤولية المباشرة للطرف الذي ارتكب الجريمة.
الأمر الثاني: لا يمكن للسلام والتشبّث به أن يردع الحرب والتشبّث بها، ولا للمفاوضات المباشرة وغير المباشرة، والعلنية والسرية، أن تمنع المذابح الصغيرة والكبيرة، الهمجية والوحشية، ولا يمكن للعلاقات الدبلوماسية وغير الدبلوماسية، الرسمية وشبه الرسمية، الكاملة والجزئية، أن توقف مسلسل ارتكاب الجرائم. وليست المسؤولية محصورة في عشوائية الإجرام وتصعيده، بل تشمل أوّل ما تشمل عشوائيةَ التعامل مع الإجرام العدواني وعدمَ التصدّي له.
المراجعة الشاملة المطلوبة
من العسير عند متابعة فترة إعداد أسطول الحرية من أجل كسر حصار غزة، أن يوجد تفسير للصمت الرسمي في المنطقة العربية، دون ترجيح أن نوايا العدوان العسكري على المدنيين كانت معروفة لدى من يسلك طريق «الصمت»، ثم يمكن أن تصدر المواقف السياسية الرسمية حسب النتائج، ويمكن أن تتخذ صيغة باتت تقليدية ممقوتة: «حذّرناهم.. ولم يصغوا للتحذير»، أي أنّ «المسؤولية» هي مسؤولية الضحايا الذي خاطروا بأنفسهم ولا تقع على عاتق «المسؤولين» الذين لا يخاطرون بشيء من أجل كسر الحصار الإجرامي, ناهيك عمّن يشارك فيه وشبيه ذلك ما كان أثناء الحرب العدوانية ضدّ القطاع، وما كان أثناء الحرب العدوانية الأخيرة ضد لبنان، وما يتردّد في التعامل مع كلّ من يرفض سياسة التسليم المطلق ويطالب ببعض «الممانعة» وبعض التصدّي على الأقلّ.
لا يكفي وصف ذلك بأنه مجرّد تهرّب من المسؤولية، فهو في حصيلته مشاركة مباشرة في حمل المسؤولية عمّا يترتب عليه على أرض الواقع من اطمئنان الطرف الذي يرتكب عدوانا إجراميا أنه لن يجد «ردّا» فعالا من أيّ مستوى.
وقد استُخدم في تسويغ التراجع تعبير السياسة العقلانية الواقعية إلى درجة الابتذال لتشويه حقيقة صدوره عن ضعف الشعور بالمسؤولية أو افتقادها.
لم يعد المطلوب من الدول العربية أن تراجع قطاعاً واحداً من قطاعات سياستها في قضية فلسطين، مثل حصار غزة والتحرّك رسمياً لكسره، بدلاً من مواقف الخذلان تجاه المتضامنين المدنيين دولياً، فقد أصبحت جميع جوانب السياسات الرسمية في حاجة إلى «انتفاضة رسمية» شاملة ومشتركة، تشمل المصالحة بين الدول العربية التي تطالب الأطراف الفلسطينية بالمصالحة.. وتضع العصي في عجلاتها، وتشمل تعبئة القوى الشعبية في طريق «بدائل إستراتيجية» قويمة بدلاً من التنديد بمن يتحرّك منها بإمكاناته المحدودة على طرق المقاطعة ومناهضة ما يُسمّى «التطبيع» واعتبارها هي الخصم بدلاً من العدوّ الذي يمارس العدوان دون انقطاع.
ليس العدوان على المدنيين في عرض البحر شاهداً على عجز عسكري في المنطقة، بل هو شاهد أيضاً على صناعة العجز السياسي والاقتصادي والإداري، ومرآة عاكسة لنتائج القعود عن تأمين المتطلبات الأولوية للقدرة على التصدي لعدوان قائم متواصل، بل عن مجرّد الإعداد من أجل التصدي لتصعيده على الأقل.
مستقبل المتضامنين مع فلسطين
لن تضيع حصيلة جهود المتضامنين عالمياً مع غزة وأهلها، أو فلسطين وأهلها، وهذا ما يشهد عليه تنامي حجم ما يقدّمونه من عطاء إنساني جليل، ابتداء من تحرّكاتهم الأولى قبل جريمة قتل راشيل كوري على أرض فلسطين، مروراً بالقوافل الشعبية التي انطلقت رغم العوائق من قلب مصر نحو غزة وبالاعتصامات على حدود رفح، وصولاً إلى تلاقي وحدات أسطول الحرية على جمع أناس مدنيين، وآخرين رسميين، من مختلف أنحاء العالم، من الكتّاب والصحفيين والنوّاب والساسة المتقاعدين.
إنّ المقاومة الشعبية المتصاعدة بفلسطين ولبنان وأخواتهما، هي التي جعلت المقاومة الشعبية تتصاعد للتضامن مع فلسطين وأهلها، على مستوى عالمي عابر للحدود، لمواجهة ما تصنعه هيمنةٌ عابرة للحدود ولمختلف الميادين، ولن ينفرد بها الميدان.
لقد بدأت تتساقط الحدود ما بين أشكال المقاومة.. مثلما تساقطت الحدود ما بين أشكال الهيمنة الدولية والمحلية، العابرة لساحات القتال من أفغانستان إلى فلسطين، والعابرة لمنابع طاقة النفط والغاز إلى ساحات احتكار الطاقة السلمية النووية تحت عنوان حظر انتشار السلاح النووي.
ولهذا لا بدّ من زيادة التواصل والتلاحم والتخطيط والتنسيق ما بين مختلف صور المقاومة ضدّ عدوان مسلّح، في كل مكان، وبين مختلف صور التضامن الشعبي مع ما نُشر من فقر ومجاعات في أفريقيا، وحتى ساحات مناهضة استمرار ما تصنع صناديق الرهانات بالمجتمعات الثرية والفقيرة على السواء عبر الشبكة المالية الدولية فيما بينها.
إن عالمنا المعاصر يتغيّر.. ومن العلامات المميّزة للتغيير ذلك الازدياد التدريجي والانتشار التدريجي لمقاومة مختلف أشكال انتهاك العدالة والحقوق والحريات وإنسانية الإنسان، وإن فلسطين تجمع ذلك كلّه في ساحة واحدة، كما أنها تشهد تاريخياً على مسيرة الانتهاكات من بداياتها الأولى، سواء بتزامن وعد بلفور مع تغيير الخارطة الجغرافية للعالم بعد الحرب العالمية الأولى وحقبة توزيع النفوذ على قوى «الانتداب» الاستعماري، أو بتزامن النكبة الكبرى بفلسطين مع توزيع النفوذ على قوى «الاستغلال» المادي على خارطة النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية.
إنّنا إلى جانب ما نعايشه من معاناة الضحايا وذويهم، وآخر أفواجهم ضحايا العدوان على أسطول الحرية، نرى أنّ الذين ينضمّون إلى قافلة مقاومة الإجرام المتصاعد كما في فلسطين وما حولها إلى قلب البحر الأبيض المتوسط، ليسوا هم الذين «يسبحون عكس التيار» كما يقال، بل يمارس ذلك أولئك الذي يمتنعون عن التحرّك على طريق المقاومة، محلياً ودولياً، بمختلف أشكالها، ومختلف ميادينها.
وهذا ما يعزّز التأكيد أنّ المستقبل لفلسطين.. وللمتضامنين مع الحق والعدالة والتحرير في فلسطين، وأن المستقبل للإنسان.. وللمتضامنين مع الحقوق الإنسانية على كل صعيد في أنحاء العالم، أمّا من لا يتخلّى عن سياسة العجز والتخاذل الآن، باسم «خيار إستراتيجي وحيد» أو سوى ذلك من المسميات، فيمكن أن يجرفه التيار آجلاً أو عاجلاً.
* نبيل شبيب