هل بدأت المعركة بين إسرائيل والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأصبح البرنامج النووي الإسرائيلي على جدول أعمالها للمناقشة.. وهل نجحت الضغوط العربية والإسلامية في إدراج ملف إسرائيل النووي على جدول أعمال الوكالة، وهل ستتمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من زيارة المفاعلات النووية الإسرائيلية، وهي التي كانت موصدة في وجهها لعقودٍ طويلة من الزمن.. وهل ستقبل إسرائيل بأن تخضع مفاعلاتها النووية، بما فيها مفاعل ديمونة التاريخي للتفتيش والمراقبة.
واسرائيل هي التي لم تعلن رسمياً حتى اليوم امتلاكها لأسلحةٍ نووية، وما زالت تصرّ على أن برنامجها النووي هو برنامجٌ سلمي..وهل سيجيز مجلس الوكالة مناقشة الملف النووي الإسرائيلي، أم أن الولايات المتحدة الاميركية التي حمت إسرائيل من الملاحقة والتفتيش، ستستخدم نفوذها وتأثيرها، وستمنع إحالة ملفها النووي إلى وكالة الطاقة الذرية للنقاش، إذ إن إسرائيل بمباركة الولايات المتحدة الاميركية، استطاعت في مؤتمر نيويورك في 12/5/1995، الحصول على الاستثناء الدولي في ما يتعلق بأنشطتها النووية، وخرجت من المؤتمر طاهرةً بريئة، ومالكةً لحريتها في سلاحها النووي، وذكر زئيف شيف المعلق العسكري الإسرائيلي، أن من يعتقد أن إسرائيل سوف توقع يوماً على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية فهو واهم.
فهل الوكالة الدولية جادة في مسعاها لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، أم أنها محاولة منها، لذرّ الرماد في العيون، وخداع الدول العربية والإسلامية، بأنها جادة في المساواة بين دول المنطقة، وأنها لن تسمح لأيٍّ منها بامتلاك أسلحة نووية، أم أن الحقيقة أن عينها على البرنامج النووي الإسرائيلي، وقلبها على البرنامج النووي الإيراني لاخضاعه للرقابة والتفتيش، وجعل المجال مفتوحاً لإسرائيل وحدها، لأن تكون الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك السلاح النووي، ولتكون الدولة الوحيدة التي تهدد الأمن والسلم في المنطقة، وأنها بهذا تسعى لتخلق تحالفاً عربياً وإسلامياً معادياً لإيران في منطقة الشرق الأوسط، ورافضاً لبرنامجها النووي، وتدفع الدول العربية لأن تنفض من حول إيران وتتخلى عنها، ليسهل على الولايات المتحدة الاميركية وحلفائها بعد ذلك، أن يتصدوا للبرنامج النووي الإيراني.
وفي الوقت الذي تغض فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية الطرف عن البرنامج النووي الإسرائيلي، وتتستر على أخطاء اسرائيل، وتتجاهل محاولاته المحمومة للحصول على شحناتٍ إضافية من اليورانيوم من بعض الدول الأفريقية، وتصم آذانها عن تجاربها النووية في الصحاري الأفريقية، وفي عمق البحار والمحيطات الدولية، وتسهل الدول الكبرى لغواصاتها النووية حرية المرور في المضائق المائية الدولية، دون أن تخضعها للتفتيش أو المراقبة، وهي التي تدعو دول المنطقة لعدم امتلاك التكنولوجيا النووية، وتؤلب المجتمع الدولي ضد الدول التي تعلن أنها تسعى لامتلاك التكنوجيا النووية، وفي الوقت نفسه تغص ترسانتها العسكرية، بأنواع عدة من الأسلحة النووية والكيمائية والجرثومية، وترفض أن تنصاع للقانون الدولي، وترفض أي محاولاتٍ للرقابة والتفتيش على منشآتها النووية.
ولم تكتفِ الوكالة الدولية للطاقة الذرية بصمتها المطبق على الأنشطة النووية الإسرائيلية، بل أعلنت أكثر من مرة تفهمها لحاجات إسرائيل النووية، وضرورة قيامها بتحصين نفسها من الخطر المحدق بها من قبل الدول الجارة، إلا أنها لا تتبنى في معارضتها للمجتمع الدولي منطقاً دفاعياً في تبريرها لمواقفها المخالفة للشرعية الدولية، وإنما تقوم بعكس ذلك، إذ تهاجم بعض الأطراف الدولية، وتصف مواقفهم بمعاداة السامية، وتحاول أن تصف نفسها بأنها دولة ضحية عبر التاريخ، وأن العرب والمسلمين يستهدفونها، ويحاولون تدميرها والقضاء عليها (...) وقد قامت بنفسها عام 1981 بضرب مفاعل أوزيراك النووي العراقي، بحجة خطورة امتلاك العراق لأسلحة نووية، وتطالب الأمم المتحدة بضرورة إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وكانت قد جردت أكبر عملية تشهير وإدانة لعمرو موسى، عندما كان وزيراً للخارجية المصرية، عندما أبدى معارضة انضمام مصر إلى اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية، ما دامت إسرائيل لم توقع على هذه الاتفاقية، وكان عمرو موسى ينادي بضرورة التزام كل دول المنطقة، بإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل.
وإذا كانت اللجنة الدولية للطاقة الذرية تصرّ على قصر استخدام الطاقة النووية في العالم كله، على الأغراض السلمية، وتؤكد وجود ترابط وثيق بين نزع السلاح والسلم والأمن الدوليين، في ظل مفهوم الأمن الجماعي الذي تتبناه الأمم المتحدة، فإن عليها أن تصرّ على قرارها القاضي بمناقشة البرنامج النووي الإسرائيلي، واخضاعه للقانون الدولي، رقابةً وتفتيشاً وحظراً، وأنها تعمل على أساسٍ فني بعيداً عن الحسابات السياسية، فهي ليست منظمة سياسية، ولا ينبغي لها أن تتلقى التعليمات من أي دولةٍ مهما بلغت في قوتها وفي تأثيرها على المجتمع الدولي، فإن على الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن توحد مقاييسها، وأن ترفض الازدواجية في معاييرها، وأن تمضي جادةً في عرض برنامج إسرائيل النووي، وأن تبين مدى خطورة برنامجها على المنطقة كلها.
* د. مصطفى اللداوي