في أول مقابلة له بعد الانتقال إلى البيت الأبيض في العام الماضي، قال باراك أوباما لقناة عربية: «الناس سيحكمون عليّ ليس من خلال أقوالي، ولكن من خلال أفعالي». ولا يوجد مكان يتسع فيه الفرق بين ما يرغب فيه أوباما وما حققه أكثر من منطقة الشرق الأوسط.
فقبل عام من الآن، ألهب أوباما أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي عندما ألقى أقل الخطابات تشدداً في رئاسته في جامعة القاهرة. وحمل الخطاب الذي اقتبس فيه من القرآن ثلاث مرات وخلا من الإشارة إلى الإرهاب، الوعد «ببداية جديدة» بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي.
وأوضح أوباما الذي قوطع خطابه بالتصفيق مرات كثيرة، بجلاء، أنه يعتبر حل الدولتين بالنسبة إلى الصراع العربي ــ الإسرائيلي مفتاحا لتأمين الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وخارجها.
ومما قاله في خطابه: «إن الولايات المتحدة لا تقبل بمشروعية استمرار المستوطنات الإسرائيلية. وتماماً كما أنها تلحق ضرراً كبيراً بالأسر الفلسطينية، فإن استمرار الأزمة الإنسانية في غزة لا يخدم أمن إسرائيل.. ويجب على إسرائيل أن تتخذ خطوات ملموسة (لمساعدة أهل غزة)».
إنها لمفارقة مريرة أن تتزامن ذكرى خطاب أوباما التاريخي هذا الأسبوع مع هجوم إسرائيل على «أسطول السلام» الذي كان يحمل مساعدات إلى غزة. لكن الرأي العام في العالم العربي كان قد أخذ يشعر بالاستياء منذ مدة طويلة بشأن استعداد أوباما ــ أو قدرته ــ على تحقيق ما أعلنه في القاهرة.
المدافعون عن سجل أوباما يلتمسون له عذرين. الأول، من المبكر جداً إصدار حكم، لأن الأمر يمكن أن يستغرق سنوات قبل أن تثمر لهجة الولايات المتحدة المتغيرة على الأرض. والثاني، في ظل وجود محاورين مثل بنيامين نتنياهو من جهة، وسلطة فلسطينية لا حول لها ولا قوة من جهة أخرى، لم يكن بوسع أوباما أن يبدأ ولايته في ظل ظروف أسوأ.
هذان التوضيحان معقولان إلى حد ما، لكنهما يخطئان نقداً أكبر وأكثر إزعاجاً لأسلوب أوباما في العمل الذي يمكن أن يوصف بأنه جبان في التنفيذ وشجاع في الإعلان. إن أوباما يضع ثقة كبيرة في قدرته على الإقناع. وتتمثل موهبته في توليف المواقف المتعارضة على أمل أن تنسجم في نهاية المطاف. ويظل كل هذا نفحة منعشة بعد ميول ونزعات سلفه العقائدية.
لكن عندما يفشل المنطق وحده، كما يمكن لأي شخص لديه خبرة في التعامل مع نتنياهو أن يتوقع، فغالباً ما يترك أوباما يتخبط. فبعد 16 شهراً من إطلاق وعد بإيجاد حل يقوم على مبدأ الدولتين، يتورط أوباما في جولة غير ملائمة من الناحية الجوهرية، من المحادثات غير المباشرة بقيادة جورج ميتشل، مبعوثه إلى المنطقة. وفي غضون عام تراجع الهدف الأكبر لسياسة أوباما الخارجية بشكل كبير.
هذا النقد ليس بالجديد. فخلال الحملة الانتخابية، اتهم أوباما برفع سقف التوقعات إلى أكثر من قدرته على تحقيقها. لقد وعد بأن تعمل رئاسته على التغيير، لكنه متمسك حتى الآن بالسياسة التقليدية. وجاءت واحدة من أكبر العبارات التي حظيت بالتصفيق في خطاب القاهرة عندما وعد أوباما بوضع نهاية لسياسات الاعتقال التي كان يتبعها جورج دبليو بوش.
فقد قال: «لقد أصدرت الأمر بإغلاق سجن جوانتانامو في أوائل العام المقبل». لكن بعد مضي ستة أشهر على ذلك الموعد، ما زال مئات المعتقلين موجودين في ذلك الموقع. ولدى العودة إلى ذلك التعهد والتأمل فيه، يتبين أنه محير جداً لأنه كان من الواضح في حزيران (يونيو) الماضي أن أوباما لن يكون قادراً على إغلاق سجن جوانتانامو في الموعد المحدد.
لكن لسبب ما ــ الحاجة إلى التصفيق؟ - لم يستطع مقاومة تكرار هذا الوعد. ويقول ديفيد روثكوبف، وهو مسؤول سابق في عهد بيل كلينتون ومؤيد لأوباما: «ربما كان الخطاب أروع لحظات أوباما من حيث تغير السياسة الخارجية. وربما كان فشله في تحقيق وعده أفضل برهان على المشكلات الأكبر التي تواجهها رئاسته».
وسواء أكان عجزه عن إغلاق جوانتانامو، أو قراره بمضاعفة عدد القوات الاميركية في أفغانستان ثلاث مرات، أو رده الضعيف على إخفاق أسطول الحرية، بات الناس يخشون أن أوباما يمثل الاستمرار أكثر مما يمثل التغيير.
ويضيف روثكوبف: «ربما يكون هناك قلق من أن أوباما هو ذلك المنتج الاميركي التقليدي. الشيء القديم نفسه في حزمة كتب عليها: جديد ومُحسّن».
*فاينانشال تايمز- إدوارد لوس
أسطول الحرية .. وتراجع أوباما من وعوده
في أول مقابلة له بعد الانتقال إلى البيت الأبيض في العام الماضي، قال باراك أوباما لقناة عربية: «الناس سيحكمون عليّ ليس من خلال أقوالي، ولكن من خلال أفعالي». ولا يوجد مكان يتسع فيه الفرق بين ما يرغب فيه أوباما وما حققه أكثر من منطقة الشرق الأوسط.
فقبل عام من الآن، ألهب أوباما أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي عندما ألقى أقل الخطابات تشدداً في رئاسته في جامعة القاهرة. وحمل الخطاب الذي اقتبس فيه من القرآن ثلاث مرات وخلا من الإشارة إلى الإرهاب، الوعد «ببداية جديدة» بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي.
وأوضح أوباما الذي قوطع خطابه بالتصفيق مرات كثيرة، بجلاء، أنه يعتبر حل الدولتين بالنسبة إلى الصراع العربي ــ الإسرائيلي مفتاحا لتأمين الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وخارجها.
ومما قاله في خطابه: «إن الولايات المتحدة لا تقبل بمشروعية استمرار المستوطنات الإسرائيلية. وتماماً كما أنها تلحق ضرراً كبيراً بالأسر الفلسطينية، فإن استمرار الأزمة الإنسانية في غزة لا يخدم أمن إسرائيل.. ويجب على إسرائيل أن تتخذ خطوات ملموسة (لمساعدة أهل غزة)».
إنها لمفارقة مريرة أن تتزامن ذكرى خطاب أوباما التاريخي هذا الأسبوع مع هجوم إسرائيل على «أسطول السلام» الذي كان يحمل مساعدات إلى غزة. لكن الرأي العام في العالم العربي كان قد أخذ يشعر بالاستياء منذ مدة طويلة بشأن استعداد أوباما ــ أو قدرته ــ على تحقيق ما أعلنه في القاهرة.
المدافعون عن سجل أوباما يلتمسون له عذرين. الأول، من المبكر جداً إصدار حكم، لأن الأمر يمكن أن يستغرق سنوات قبل أن تثمر لهجة الولايات المتحدة المتغيرة على الأرض. والثاني، في ظل وجود محاورين مثل بنيامين نتنياهو من جهة، وسلطة فلسطينية لا حول لها ولا قوة من جهة أخرى، لم يكن بوسع أوباما أن يبدأ ولايته في ظل ظروف أسوأ.
هذان التوضيحان معقولان إلى حد ما، لكنهما يخطئان نقداً أكبر وأكثر إزعاجاً لأسلوب أوباما في العمل الذي يمكن أن يوصف بأنه جبان في التنفيذ وشجاع في الإعلان. إن أوباما يضع ثقة كبيرة في قدرته على الإقناع. وتتمثل موهبته في توليف المواقف المتعارضة على أمل أن تنسجم في نهاية المطاف. ويظل كل هذا نفحة منعشة بعد ميول ونزعات سلفه العقائدية.
لكن عندما يفشل المنطق وحده، كما يمكن لأي شخص لديه خبرة في التعامل مع نتنياهو أن يتوقع، فغالباً ما يترك أوباما يتخبط. فبعد 16 شهراً من إطلاق وعد بإيجاد حل يقوم على مبدأ الدولتين، يتورط أوباما في جولة غير ملائمة من الناحية الجوهرية، من المحادثات غير المباشرة بقيادة جورج ميتشل، مبعوثه إلى المنطقة. وفي غضون عام تراجع الهدف الأكبر لسياسة أوباما الخارجية بشكل كبير.
هذا النقد ليس بالجديد. فخلال الحملة الانتخابية، اتهم أوباما برفع سقف التوقعات إلى أكثر من قدرته على تحقيقها. لقد وعد بأن تعمل رئاسته على التغيير، لكنه متمسك حتى الآن بالسياسة التقليدية. وجاءت واحدة من أكبر العبارات التي حظيت بالتصفيق في خطاب القاهرة عندما وعد أوباما بوضع نهاية لسياسات الاعتقال التي كان يتبعها جورج دبليو بوش.
فقد قال: «لقد أصدرت الأمر بإغلاق سجن جوانتانامو في أوائل العام المقبل». لكن بعد مضي ستة أشهر على ذلك الموعد، ما زال مئات المعتقلين موجودين في ذلك الموقع. ولدى العودة إلى ذلك التعهد والتأمل فيه، يتبين أنه محير جداً لأنه كان من الواضح في حزيران (يونيو) الماضي أن أوباما لن يكون قادراً على إغلاق سجن جوانتانامو في الموعد المحدد.
لكن لسبب ما ــ الحاجة إلى التصفيق؟ - لم يستطع مقاومة تكرار هذا الوعد. ويقول ديفيد روثكوبف، وهو مسؤول سابق في عهد بيل كلينتون ومؤيد لأوباما: «ربما كان الخطاب أروع لحظات أوباما من حيث تغير السياسة الخارجية. وربما كان فشله في تحقيق وعده أفضل برهان على المشكلات الأكبر التي تواجهها رئاسته».
وسواء أكان عجزه عن إغلاق جوانتانامو، أو قراره بمضاعفة عدد القوات الاميركية في أفغانستان ثلاث مرات، أو رده الضعيف على إخفاق أسطول الحرية، بات الناس يخشون أن أوباما يمثل الاستمرار أكثر مما يمثل التغيير.
ويضيف روثكوبف: «ربما يكون هناك قلق من أن أوباما هو ذلك المنتج الاميركي التقليدي. الشيء القديم نفسه في حزمة كتب عليها: جديد ومُحسّن».
*فاينانشال تايمز- إدوارد لوس