فقد شدد السيد القائد على وجوب اعتماد خارطة طريق واضحة المعالم تعمل على ترشيد الصحوة الاسلامية المعاصرة وتحول دون وقوعها في شراك الاستراتيجية الاميركية و الاوروبية التي تسعى حاليا الى تجيير مكاسب انتصارات الشعوب الثائرة في تونس و مصر و اليمن و البحرين و ليبيا ، لفائدة مآرب المشروع الغربي – الصهيوني ، بالرغم من ان الثورات الجماهيرية انطلقت من اجل بعث مقومات العزة و الكرامة الوطنية و احيائها من جديد ، و رفع راية الاسلام و مجابهة الهيمنة الاميركية والاوروبية ، ومكافحة الكيان الصهيوني الغاصب –كما جاء في خطاب سماحته-
فالمؤكد أن الثورات الاسلامية التي زلزلت المعادلة الاستكبارية الظالمة في الشرق الاوسط , هي انعطافة مصيرية في تاريخ امة مؤمنة قررت رفض الاساءات و المواقف المشينة , و رسم المشهد الاستراتيجي و السياسي و التعبوي في ضوء مخاطر التحديات و المشاريع السلطوية للاعداء الذين يستعملون مؤسسات "الشرعية الدولية" سيفا مصلتا فوق رؤوس كل القوى والمواقع المقاومة و الممانعة بوجه التحالف الغربي - الصهيوني و تدخلاته السافرة في شؤون المنطقة و شعوبها وحكوماتها المناضلة.
الجانب الاهم وهو ما اشار اليه سماحة الامام خامنئي في كلمته لأعلام الامة فقهاء و مفكرين و مناضلين , هو ان الثورات الشعبية انطلقت بفطرتها السليمة ودوافعها الانسانية و عقيدتها الصلبة , فلا مكان هنا لأجندة مسبقة فئوية أو خربية,بل المسألة ببساطة تمثل ارادة أمة عقدت العزم على تولي زمام المبادرة بنفسها، بعدما ذاقت الامرين, مرارة ظلم الحكام المستبدين و سياساتهم الخانعة و مرارة اسيادهم الاميركان و الاوروبيين الذين قال الامام القائد ( انهم الحقوا افدح الخسائر و اقسى الضربات و اسوأ الاهانات بشعوب المنطقة خلال اعوام قليلة فقط).
كما اشار سماحته الى ان الاهمية القصوى للثورات الاسلامية ،هي في ان تواصل مسيرتها بعيداً عن حالات التراخي و الوهن و الدعة التي عادة ما تصيب الانقلابات التغييرية الفئوية , مؤكداً على ان عظمة الجماهير و تماسكها, كفيل بتقويض التحديات الاستكبارية , باعتبار أن المسلمين مسلحون بالايمان و التوكل على رب العزة و الجلالة , و هو سلاح قادر على صيانة المسيرة الصاعدة للامة المحمدية الكريمة .
فأبناؤها المؤمنون هم امضى شكيمة واقتدارا من ان تخيفهم تهديدات الشيطان الاكبر و حلفائه , و هم اكثر وعيا من ان تنطلي عليهم الشعارات الزائفة و السياسات الهدامة للناتو و تجار حروب الغربيين.
في غضون ذلك يعتبر المراقبون ان المؤتمر الدولي للصحوة الاسلامية في طهران (17-18 ايلول 2011)، هي من المحطات المشرقة المتزايدة في مسيرة الثورة الاسلامية الايرانية التي وقفت على الدوام الى جانب قضايا الحق والعدل والمشروعية، ولم تدخر وسعا في مساندتها ،كونها قضايا نابعة من مبادئ الاسلام العظيم واهدافه لبسط التعاليم الالهية وتعميم القيم السامية في انحاء الارض.
فحضوراكثر من 700 ضيف من 80 بلدا يمثلون مختلف الوان الطيف الاسلامي النهضوي المعاصر يضاف اليهم مئات العلماء والمفكرين من داخل البلاد في مؤتمر طهران الدولي يهدف اساسا – وكما اوضح ذلك الامين العام للمؤتمر الدكتور علي اكبر ولايتي في كلمته بالمراسم الافتتاحية – الى مناقشة (مستقبل الصحوة الاسلامية المعاصرة) و(سبل استمرار مسيرتها)، في ضوء التطورات المتسارعة في المنطقة والعالم.
فلقد قيّض للامة ان تلعب دورا حاسما في تاريخنا المعاصر، بعد عقود من النكبات والانكسارات والهزائم التي تسببت بها السياسات الخاطئة للانظمة الرسمية المرتبطة بالمشروع الغربي – الاسرائيلي ، وها هم المسلمون والعرب قد نزلوا الى الساحة بكل ثقلهم، ليسجلوا دورهم الخطير في تغيير المعادلات واحباط المؤامرات وتقويم المسيرة، وهو دور كان مغيبا طيلة اكثر من 100 عام .
وفيما يحاول الاستكبار العالمي ان يكابر ويتحايل، ويستغل التحولات العظيمة لفائدة مطامعه الشريرة، يقف علماء الامة الاسلامية ومفكروها بالمرصاد لمواجهة هذا المخطط الاخطبوطي، وقد احتشدوا في طهران ، وهم مؤمنون بانها (منطلق الصحوة الاسلامية العالمية وقلعتها الحصينة) من اجل صياغة الرؤى والافكار والدلائل العملية اللازمة، للتعامل مع المستجدات والتحولات الجديدة، حماية لمسيرتها حاضرا ومستقبلا وحفظا لها من اية كبوات او منزلقات او اخطاء.
فالصحوة الاسلامية المعاصرة ، وكما تحدث بذلك معظم المؤتمرين في الجلسات الرئيسية و الفرعية ، تستحق من الامة بلا استثناء بذل التضحيات والغالي والنفيس، وهي تملي استحقاقات شاملة يفترض ان تكون بحجم التحديات الغربية ـ الصهيونية التي ترى في هذا التحول المفصلي ،مقتلا لجميع مشاريعها وبرامجها الجهنمية.
الثابت ان الصحوة الاسلامية ،هي حالة تعبوية وجدانية ايمانية، فهي ليست الآن -على الاقل - موضوعا لسجالات فكرية او فلسفية او سياسية ربما لا تسمن ولا تغني من جوع في الوقت الراهن . انها نهضة انسانية جارفة ينبغي ان يكون الجميع بمستوى قدرتها الفائقة على الفعل والتغيير والتطوير والحسم.
وازاء ذلك ربما لا يبدو مستغربا اذا ما حدق ابناء هذه الصحوة انطلاقا من تونس ومصر ومرورا باليمن والبحرين وليبيا وانتهاء بالاردن والسعودية ومختلف ارجاء العالم الاسلامي، بأبصارهم صوب طهران أملا في قطف النتائج التأثيرية لمؤتمرها الدولي الاول على مستوى تزويدهم بالخبرات والتجارب و الآليات، وصولا الى منظومة دينية عقائدية أخلاقية وثابة، قادرة على تلبية طموحات هذه المرحلة المصيرية من تاريخ الامة الاسلامية.
*حميد حلمي زادة