الآن وقد وصل نظام القذافي إلى نهايته- بغض النظر عن الشكل النهائي لميزان القوى محليا- تواجه روسيا تحديات كبرى بما أن مصالحها الاقتصادية على المدى الطويل في الشرق الأوسط تضررت كثيراً بفعل السياسة الخارجية الجديدة التي ارتكزت على الحيادية وعدم الاصطفاف السياسي خلال الصراع في ليبيا.
فيشير عدد من الخبراء إلى أن روسيا فقدت مصداقيتها بنظر الدول العربية الأخرى بسبب تردد الكرملين بقبول تغيير النظام بدعمٍ من الحلف الأطلسي وفرض حظر على الأسلحة في ليبيا، ونتيجةً لذلك، قد تتراجع امتيازات روسيا في المنطقة عموماً.
في السنوات الأخيرة، ركزت السياسة الخارجية الروسية على لعب دور الوسيط في المجتمع الدولي، وتحديداً بين الغرب والعالم الإسلامي، صحيح أن هذا الدور يمنح روسيا إيجابيات كثيرة، إلا أنه يترافق مع مخاطر جدية أيضاً، فخلال اجتماع مجموعة الثماني في شهر مايو، في بلدة دوفيل الفرنسية، قدّم القادة الغربيون فرصة ملفتة للدبلوماسيين الروس كي يؤدوا دور الوسطاء بين ممثلي القذافي والثوار، وتطرح هذه الجهود سؤالاً مهماً لمعرفة ما إذا كانت روسيا تستطيع القيام بمساهمة عملية لتسوية الصراع سلمياً أم أنّ نشاط الدبلوماسية الروسية محكوم عليه بالفشل منذ البداية.
ومنذ المفاوضات الأولى التي أطلقها المبعوث الروسي الخاص إلى إفريقيا، ميخائيل مارغيلوف، اتضح أن الدبلوماسية الروسية لم تتمتع يوماً بالثقل الكافي للتوصل إلى حل سياسي، وتحديداً بسبب معارضة الأطراف المعنية الأخرى لها، واليوم، تجازف السياسة الخارجية الحيادية بإضعاف مصالح روسيا الاقتصادية على المدى الطويل في العالم العربي بعد حقبة الثورات.
من بين صفقات العمل المربحة التي وُقّعت بين القذافي ورجال الأعمال الروس، نذكر عقداً لبناء خط سكك حديدية في ليبيا بقيمة 3.1 مليارات دولار فضلاً عن استثمار الملايين في حقول النفط والغاز. كانت شركة “غازبروم” (Gazprom)، بالإضافة إلى شركة “إيني” (Eni)، في صدد اكتساب حصة في ليبيا بقيمة 170 مليون دولار حين اندلعت أعمال العنف.
بصورة عامة، أُهدرت حوالي 4 مليارات دولار بسبب إلغاء العقود منذ بداية الحرب، فعمدت الشركات الروسية في أغلب الأحيان إلى إصدار بيانات بشأن استئناف عملها في ليبيا بعد انتهاء القتال، بينما وعد المجلس الوطني الانتقالي باحترام العقود التي وقّعها القذافي، لكنّ السياسة الخارجية الحيادية التي تبنتها روسيا منذ شهر مارس الماضي كانت تنمّ عن سلوك “بارد وخجول ومتأخر” من وجهة نظر الثوار.
يشير رسلان بوشكوف، مدير مركز تحليل الاستراتيجيات والتكنولوجيا، إلى أن روسيا قد تجد نفسها في وضع سيئ بينما تتقدم الدول الأوروبية للمطالبة بإقامة روابط تجارية مع العاصمة طرابلس كونها اكتسبت هذا الحق بعد أشهر من القتال، وفي الفترة الأخيرة، قال عبدالجليل المعيوف، مدير المعلومات في شركة النفط الليبية “أجوكو” (AGOCO): “لا نواجه أي مشاكل مع الأطراف الغربية مثل الشركات الإيطالية والفرنسية والبريطانية. لكن ربما نواجه بعض المشاكل السياسية مع روسيا والصين والبرازيل”.
لقد اتضح منذ البداية أن سقوط نظام القذافي كان مسألة وقت فقط، ومع ذلك، انتظر الرئيس ميدفيديف حتى 1 سبتمبر للاعتراف رسمياً بالمجلس الانتقالي الليبي.
بعبارة أخرى، ترددت روسيا في إبعاد نفسها عن القذافي الذي كانت تربطها معه علاقة جيدة، وانتقدت الحملة العسكرية التي شنتها قوات حلف الأطلسي لمساعدة المقاتلين الثوار، نتيجةً لذلك، فشلت المساعي الدبلوماسية الروسية في إعلان موقف ثابت من الصراع، مما عزز غموض السياسة الخارجية الروسية الحيادية، ويقول المحللون إن مقاربة ازدواجية المواقف كانت تهدف إلى حماية مصالح موسكو في ليبيا بغض النظر عن نتائج الصراع.
على صعيد آخر، كتب ديمتري ترينين، مدير مركز كارنيغي في موسكو، مقالة حديثة تكلم فيها عن ضرورة توافر مهارات دبلوماسية مبتكرة للاضطلاع بدور الوسيط الموثوق في المجتمع الدولي، إذ كان يمكن أن تستغل السلطات الروسية مثلاً علاقاتها غير الرسمية مع الحكّام الدكتاتوريين العرب لضمان مساعدتهم ومنحهم الحصانة شرط توقف سفك الدم، ولو أن روسيا اتبعت هذا النهج، لكان يمكن إنقاذ حياة آلاف الأشخاص وترقية روسيا إلى مصاف البلدان القادرة على التأثير في القرارات المتعلقة بالقضايا العالمية، فضلاً عن حماية مصالحها بعد سقوط النظام.
تجدر الإشارة إلى أن سياسات روسيا الغامضة والمترددة في ليبيا سلطت الضوء على عجز الدبلوماسية الروسية بعد أن فشلت في تقييم المخاطر والفرص المطروحة خلال أحداث ربيع العرب.
مع استقرار الوضع في ليبيا تدريجاً، ستتجه أنظار المجتمع الدولي نحو سورية، وفي هذا المجال، تعبّر وسائل الإعلام الغربية منذ الآن عن مدى انزعاج موسكو، فقد أدان وزير الخارجية سيرغي لافروف حديثاً قرار حظر استيراد النفط من سورية وأعلن أن هذه الخطوة “تدمّر التعاون الدولي”، وكانت مواقف موسكو من السورية ملفتة، ويحرص الجميع في العالم العربي على متابعة تلك المواقف عن كثب.
تملك روسيا مصالح مهنية واسعة في دول عربية كثيرة، وعلى وجه التحديد، أدى انهيار الاتحاد السوفياتي إلى تطور سياسة موسكو المتعلقة بحجم إمدادات الأسلحة في الشرق الأوسط، وقد زادت أهمية الحاجات المالية بالنسبة إلى قرارات بيع المعدات العسكرية. في الوقت نفسه، برزت صناعة الأسلحة كعامل ضغط شبه مستقل لتعزيز عمليات البيع هذه، فبينما كانت تونس ومصر- سقط النظام فيهما في المراحل الأولى من ربيع العرب- لا تتمتعان بأهمية اقتصادية كبيرة، تحتل سورية أهمية كبرى في هذا المجال.
رفضت روسيا مطالب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بتنحي الرئيس بشار الأسد وربما تأثرت مواقف روسيا الأولية أيضاً بالتحالف التاريخي القائم بين الكرملين وسورية وبسياسة الامتناع عن التدخل في شؤون الدول الأخرى.
كذلك، تقع المنشأة العسكرية الروسية الوحيدة في الشرق الأوسط داخل سورية التي كانت حليفة للسوفيات وتُعتبر راهناً أحد أبرز شراة الأسلحة الروسية، فضلاً عن ذلك، بدأت الشركات الروسية في سورية تتكبد الخسائر المالية، بالإضافة إلى عقود الأسلحة المربحة، من الملاحظ أن الشركات الروسية لها حضور مهم في البنية التحتية السورية وقطاعَي الطاقة والسياحة، إذ بلغت قيمة الاستثمارات الروسية الإجمالية في سورية حوالي 19.4 مليار دولار في عام 2009.
بعد أن اختارت روسيا دعم سلطة وسمعة مجلس الأمن بشكل دائم بدل إعاقة تبني القرارات الجماعية الهادفة إلى وقف سفك الدماء، وافقت أيضاً على تحمل الخسائر المادية الحتمية في ليبيا، وتحديداً بسبب تعليق مشاركتها في المشاريع الاقتصادية والحد من التعاون العسكري والتقني، لكن كان يمكن أن تضمن أي سياسة خارجية تكون على درجة أعلى من الفاعلية والتطور استمرار النفوذ الروسي في العالم العربي مستقبلاً.
*مؤسسة اسبين- مرضية سيمينو