فتركيا – حزب العدالة او التنمية برعت في السنوات الخمس الاخيرة في اطلاق المواقف المتناقضة في و الزمان و المجلس ذاته . تلغي مناورات مع الناتو لان اسرائيل ستشارك فيها ثم تنفذ و في الاسبوع نفسه مناورات مع اسرائيل و تشترط حجبها عن الاعلام ، ترفض التدخل العسكري في ليبيا من اي جهة جاءت ثم تشارك بصيغة او باخرى في خطة الناتو العسكرية التي اودت بنظام معمر القذافي ، تغضب لاهانة سفيرها في اسرائيل ثم ترفض التعامل بالمثل او اتخاذ موقف يؤلم الدبلوماسية الاسرائيلية ، و قبل ذلك تعلن و تشهر استراتيجتها القائمة على قاعدة "صفر مشاكل " ثم تتوجه الى الميدان بعد " التصفير " الى انتاج مشاكل جديدة مع احياء ذاكرة الاخرين بما كان من مشاكل معها ما يمكن من القول بان ادعائها ب "صفر مشاكل " انقلب الى " صفر ثقة " تؤدي الى شل علاقاتها بدول المنطقة و مكوناتها السياسية و الاثنية و تجميدها خلافا لمقتضيات استراتيجية الانخراط في المنطقة و الاقتران الاستراتيجي بدولها مع ما يفرضه من نسف المشاكل القائمة و بناء الثقة الثابتة و التراكمية .
أ. و الان و بعد المواقف التركية من سوريا و اسرائيل فضلا عن ايران و القضية الفلسطنية ، يبدو السؤال الملح: اين تركيا في موقعها الحقيقي ؟ و هنا لانرى الاجابة صحيحة الا بالتعمق في المواقف التركية دون الاكتفاء بالتوقف عند ظاهر الكلام و سطحية المواقف .
1) مع استراتيجتها الجديدة اظهرت تركيا اهتماما بالقضية الفلسطنية الى الحد الذي فيه ظن البعض ان فلسطين ستحرر على يد الاتراك وحدهم تقريبا و كانت المواقف الاستعراضية التركية في الاروقة الدولية او في مياه المتوسط و ضفافه توحي " بانتفاضة تركية " على التاريخ التركي في العلاقة مع اسرائيل ، لكن و بدون عذر مفهوم تراخت تركيا و لاشهر طويلة عن المطالبة الجدية بدماء ابنائها الذن قتلو بيد اسرائيلية على سفينة تركيا و لم تطرد سفير او تقطع علاقات دبلوماسية او سواها ، لكنها امتنعت لاحقا عن تكرار تجربة اسطول الحرية لتوحي عمليا لاسرائيل بانها استوعبت العملية التأديبية و تعد بعدم تركرارها ، ثم و تعود و تطرد السفير الاسرائيلي بعد اشهر طويلة .
2) و مع استراتيجيتها الجديدة انفتحت تركيا على سوريا التي تلقفت المسعى و شرعت الابواب و تناست التاريخ و بنت للمستقبل معولة على ان تصبح تركيا عمقا استراتيجيا مضافا الى عمق اخر باتجاه الشرق في ايران ، ولكن و ما ان تحرك بضعة مئات من المواطنين السوريين في شوارع درعا حتى انقلب الموقف التركي ضد سوريا بحيث بدت تركيا تمارس سلوك " الاستذة " والامرة على النظام السوري كانه نظام قاصر فاقد الولاية على النفس و منعدم السيادة ، و رغم ان سوريا افرطت في محاولة استيعاب المواقف التركية حتى لا تتسرع في خسارة صديق او حليف استراتيجي محتمل تفرض الجغرافيا افضل العلاقات معه ، رغم هذا استمرت تركيا في لعب دور " عدائي" ضد الدولة السورية و نظامها دور تجلى في المواقف السياسية العلنية ، و احتضان ما يسمون انفسهم معارضة سورية ، ثم تبني مشروع تنظيم الاخوان المسلمين الذين يسعون بدعم اميركي الى الاطاحة بالنظام السوري القائم ، و لم تتورع تركيا في عملها ضد سوريا عن دعم الحركات المسلحة و توفير الملاذ الامن لاشخاصها و عائلاتهم عبر اقامة المخيمات فضلا عن التلويح بالتدخل العسكري ضد سوريا ، و هو التدخل الذي ما كان ليصرف النظر عنه الا التهديد الايراني الحازم برد فعل قاسي يشمل كل المساحة التركية و ما عليها من قواعد اميركية و اطلسية .
3) و مع استراتيجيتها الجديدة انفتحت تركيا على ايران الى الحد الذي اتخذتها ايران فيه " وسيطا مأمونا" في المباحاثات الدولية حول الملف النووي السلمي الذي تعمل فيه ، و كانت تغالي تركيا المرة تلو المرة باظهار حرصها على الامن الايراني و العلاقات البينية مع ايران كونها دولة مشرفية جارة لها و دولة اسلامية تتقاطع مع حزب العدالة و التنمية باحترامها و عملها بالشريعة الاسلامية . لكن الموقف العملي الاخير و المتجسد بقبول تركيا نصب الدرع الصاروخي الاطلسي على اراضيها نسف كل الكلام المعسول ، اذ انه في الوقت الذي رفضت فيه دول عدة في اوروبا الشرقية منضوية في الحلف الاطلسي استقبال منظومة الرادارات العملاقة كجزء من الدرع الصاروخي ذاك ، قبلت تركيا اقامة تلك المنظومة على اراضيها و لجأت الى حركة مسرحية تثير بها دخانا سياسيا تعول عليه لحجب هذا القرار الاستراتيجي البلغ الاهمية و الخطورة على امن المنطقة و طبيعة النزاعات العسكرية المستقبيلية حولها . اذ انه من المضحك و المثير للسخرية ان تحاول تركيا اقامة التوزان بين قرار تكتيكي مرحلي يمكن العودة عنه في اي لحظة و يتمثل بطرد السفير الاسرائيلي من انقرة (و نعتقد انه سيعود في مهلة لن تتجاوز الاشهر الى السنة ) و بين قرار استراتيجي يتمثل في نصب الدرع الصاروخي ضد كل من روسيا و ايران و سوريا لحماية اسرائيل و المصالح الغربية . و تعلم تركيا ان الدرع الصاروخي هذا عندما يكتمل تفعليه سيشكل دافعا للغرب لمهاجمة ايران بعد ان يطمئن للمنظومة الدفاعية التي تحميه من الصواريخ الايرانية .
ب. بعد كل هذا نسال ما هي حقيقة تركيا و مواقفها و اهدافها ، و هنا نرى الاجابة سهلة انطلاقا من المواقف و السلوك العملي بعيدا عن الخداع والاستعراض الكلامي و يمكننا القول:
1) ان تركيا عضو اساس فاعل في الحلف الاطلسي ( الناتو )ينفذ ما يقرره الحلف بقناعة تامة و ليس نتيجة قرار الاكثرية و انصياع الاقلية لان نظام الحلف قائم على مبدأ القرار بالاجماع ، ما يعني انه يكفي الرفض التركي حتى يمتنع صدور اي قرار .
2) ان تركيا الاطلسية وافقت على كل ما طلب و يطلب منها في اطار الحلف الاطلسي بما في ذلك المفهوم الاستراتجي العام للحلف و المعتد لعقد من الزمن يبدأ ب 2010 ، مع العلم بان هذا المفهوم يعتمد استراتيجية التدخل في الشرق الاوسط بالقوة الناعمة التي تتضمن انتاج الازمات و الفتن الداخلية لبلدانه المعارضة للسياسة الغربية ، وصولا الى تغيير الانظمة ، او تجميدها او حملها على الانكفاء الى الداخل بعيدا عن قضايا المنطقة و همومها . و بالتالي تلعب تركيا في هذا المجال دور طليعة او راس القوى المتدخلة و بهذا يفهم دورها في جسر الشغور و تلويحها بالحاقه بالتدخل العسكري الكامل في سوريا .
3) ان سياسية تركيا تجاه اسرائيل مهما تقلبت تبقى محكومة بسقف التحالف الاستراتيجي الذي تقوده اميركا ، و ان الصراخ و التهديد و المد و الجزر في العلاقة لا يعدو كونه تقلب في علاقات الافراد في البيت و العائلة الواحدة المتماسكة .و بهذا نفهم طرد السفير الاسرائلي من انقره على اساس انه "سورة غضب مزيفة" تخفي مناورة للتغطية على حقائق يراد حجبها .
4) ان تركيا ذات طموح اكيد بان تسيطر على المنطقة متكئة على فئات محلية سبق لها ان تحالفت مع الغرب و اعادت تحالفها اليوم معه ، و بهذا يفهم احتضانها للاخوان المسلمين الذين ستتخذهم اداتها في السيطرة ، و لتكون هي يد الغرب في الامساك بالمنطقة .
وبعد هذا نعود الى السؤال : هل ستنجح تركيا في مهمتها الاطلسية ؟
قبل الاجابة نسجل بان تركيا استطاعت ان تحدث خرقا كبيرا في العامين الماضيين لكن افتضاح امرها في سوريا ، و عجز الغرب عن الاطاحة بالنظام السوري سيرتد على تركيا خسائر استراتيجية وفق ما تتوقع و اكثر مما تحتمل و ستجد تركيا نفسها انها لم تكن لاعبا محترفا على حبال السياسة الشرق اوسطية ، و بالمقابل ستبقى قافلة منظومة المقاومة التي جاءت تركيا لتقطع الطريق عليها ستبقى مستمرة في مسيرتها لتمنع المشروع الغربي الذي تعتبر تركيا احدى ادواته ، لتمنعه من تحقيق اهدافه ضد مصالح شعوب المنطقة .
العميد أمين حطيط