لماذا نكرر ببغائياً القول الشريف: «لا يـُلدغ المؤمن من جُحر مرتين»، ثم نسمح لنفس الأفعى أن تلدغنا من نفس الجُحر مرات ومرات؟ لماذا لم يتعلم الإسلاميون من تجربتهم المريرة في أفغانستان؟ ألم تخدعهم أميركا بالتطوع في معركتها التاريخية للقتال ضد السوفيات ليكونوا وقوداً لها، ثم راحت تجتثهم عن بكرة أبيهم بعدما انتهت مهمتهم وصلاحيتهم، وتلاحقهم في كل ربوع الدنيا، وكأنهم رجس من عمل الشيطان، فاقتلعوه؟
لماذا يكررون نفس الغلطة الآن بالانجرار بشكل أعمى وراء المخطط الأميركي لمواجهة «الخطر الشيعي» المزعوم، علماً أن الكثير من رفاقهم ما زالوا يقبعون في معتقل غوانتانامو، وينعمون بحسن ضيافة الجلادين الأميركيين الذين يسومونهم يومياً عذاب جهنم و بئس المصير، ويدوسون على أقدس مقدساتهم؟ فبرغم اصطدام المصالح إلى حد المواجهة العسكرية و«الإرهاب» بين الأميركيين والإسلاميين في السنوات الماضية، إلا أن مصالحهم، ومن سخرية القدر، بدأت تلتقي في الآونة الأخيرة عند نقطة واحدة، ألا وهي مواجهة إيران. فمن الواضح الآن أن هناك خطة مفضوحة لإعادة إنتاج «تحالف أفغانستان» في مواجهة «الخطر الشيوعي» قبل ربع قرن من الزمان، كأن يُعاد تشكيل التحالف ذاته وبمكوناته ذاتها، ولكن في مواجهة «الخطر الشيعي» المزعوم هذه المرة. ما أشبه الليلة بالبارحة! بالأمس القريب تنادى الإسلاميون من كل بقاع الأرض،وشدوا الرحال إلى أفغانستان استجابة لنداء «الجهاد» الذي أطلقه الأميركيون وبعض الاستخبارات العربية لمحاربة السوفيات، مع العلم أن فلسطين كانت على مرمى حجر منهم، لكنهم فضلوا «الجهاد» في بلاد خوراسان لتصبح كابول المنسية، بقدرة قادر، مربط خيلهم! كيف لا وقد زين لهم الأميركيون وأعوانهم روعة الكفاح ضد «الكفار الروس»، وجمعوا لهم المليارات من الخزائن العربية السخية كي يطهرّوا أفغانستان من الرجس السوفياتي بحوالي اثنين وثلاثين مليار دولار وفعلاً أبلى الأفغان العرب بلاء حسناً ضد المحتل الروسي، وتمكنوا، مع المجاهدين الأفغان، من طرد القوات الروسية، وظنوا، وكل الظن إثم هنا، أنهم سيتوجون كالفاتحين بعد عودتهم إلى أوطانهم، وأن أميركا ستبني لكل واحد منهم تمثالاً من ذهب تقديراً لهم على بطولاتهم الخارقة في بلاد الشمس ضد الجيش الأحمر.
وهنا كانت الصدمة الكبرى بعد أن جاء جزاؤهم كجزاء سنمار، فتخلى عنهم رعاتهم وعرابوهم ومتعهدوهم القدامى من عرب وأميركيين ونبذوهم، فوجد المساكين أنفسهم في ورطة، خاصة وأن بعض الدول العربية المصدّرة للأفغان العرب رفضت استقبالهم، وتبرأت منهم، وراحت تطاردهم، وتحاصرهم، وتجتثهم، كما لو كانوا ورماً سرطانياً، بتواطؤ أميركي مفضوح، وكأنهم مجرمون لا يستحقون إلا السجن والقتل والسحل والحجر الصحي، فبلع بعضهم خيبتة، وكظم غيظه، ومات البعض الآخر كمداً، بينما انقلب آخرون على الأنظمة العربية والأميركيين الذين غرروا بهم واستغلوهم وقوداً في المعركة ضد السوفيات في أفغانستان. فظهرت بعض الجماعات التي راحت تمارس العنف انتقاماً من الذين ضحكوا عليها. ولا داعي للتذكير بأن بعض التنظيمات التي تعتبرها أميركا «إرهابية» ظهر كرد على نكران الجميل الأميركي للإسلاميين الذين يزعمون أنهم لم يوالوا الأميركيين يوماً، لكن المصالح تقاطعت بغير رضاهم. وحتى لو كان ذلك صحيحاً، أرجو ألا نسمع في الأيام القادمة أن مصالح «الفاشيين الإسلاميين»،كما يصفهم الأميركيون، قد تقاطعت مرة أخرى مع المصالح الأميركية ضد «المجوس» هذه المرة، كما كانت قد تقاطعت من قبل ضد السوفيات في أفغانستان، وكما تقاطعت قبلها بمئات السنين «بغير رضاهم» أيضاً مع مصالح أعدائهم الفرس في معركة مؤتة ضد الروم! وكلنا يعرف ماذا كانت نتيجة هذا التقاطع القاتل.
أرجوكم فكونا من هذه التقاطعات حتى لو كانت غير مقصودة، وفكروا ألف مرة قبل أن تتحفونا بإسطوانة تقاطع المصالح المشروخة مرة أخرى! ولا داعي لشرح العداء الذي تكوّن بعد هزيمة السوفيات في أفغانستان بين أميركا و«مجاهديها»القدامى الذين «تقاطعت مصالحهم معها» ، بحيث وصل إلى حد قيام الأميركيين بالضغط على الأنظمة العربية، ليس فقط لتقليم أظافر الإسلاميين وتجفيف منابعهم، بل لتنظيف المناهج من الكثير من المفاهيم والقيم الإسلامية الجهادية، وحتى حذف الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. بعبارة أخرى فحتى معتقدات «المجاهدين» التي استغلها الأميركيون في المعركة مع «الكافرين الروس» غدت عرضة للتدخل والتعديل والتحريف الأميركي.
وكنا نظن بعد كل الذي حصل بين الطرفين أن الإسلاميين لن يغفروا لأميركا فعلتها الشنيعة بحقهم مادياً ومعنوياً، وبأنهم تعلموا الدرس، فلن يعيدوا لعبة تقاطع المصالح القميئة ثانية، وأنهم أصبحوا مستعدين للتحالف حتى مع الشياطين للانتقام من العم سام ومن الذين ورطوهم في أفغانستان ثم انقضوا عليهم ونكلوا بهم. لكن، على ما يبدو أن بعض الإسلاميين لم يتعلم الدرس، ومازال يستمتع بلعبة تقاطع المصالح المهلكة، فبدأ يبلع خلافه مع الأميركيين، وكأن الذي حصل بين الجانبين من معارك طاحنة في الأعوام الماضية يهون عند «الخطر الإيراني» المزعوم الذي بدأ يروج له الأميركيون ووسائل الإعلام العربية المتحالفة معهم بنفس الطرق التأليبية والتحريضية المفضوحة.
يا الله كم نحن مغفلون وقاصرون وقصيرو الذاكرة! هل يعقل أن الإسلاميين نسوا كل المآسي التي أنزلها بهم الأميركيون، ومازالوا ينزلونها، في العراق وفلسطين ولبنان والصومال وأفغانستان ذاتها التي تعاون الأميركيون و«المجاهدون» الإسلاميون على تحريرها من الروس؟
هل نسينا عبثهم في صلب العقيدة الإسلامية، لنبتلع طـُعمهم الجديد الذي يريد أن يزج بالشباب المسلم هذه المرة ضد إيران، كما زجه من قبل في معارك لم يكن له فيها لا ناقة ولا جمل؟ هل نسينا خدعة الخطر الشيوعي كي نقبل بتلك الكذبة الكبيرة التي يسمونها الآن بـ«الخطر الشيعي»؟للتذكير والمقارنة فقط، كان الاتحاد السوفياتي يمتلك ألوف القنابل النووية، بينما ما زالت إيران في مرحلة التخصيب، ولم تتمكن من صنع قنبلة يتيمة واحدة لكن مهلاً كي لا تأخذكم الغيرة العمياء بعيداً، فاللعبة من ألفها إلى يائها لعبة أميركية هوليودية من أجل أهداف أميركية وإسرائيلية محضة ليس لكم فيها لا «خيار» ولا «فقــّوس».
هل ترضون بأن تحققوا أغراض تل أبيب، كما حققتم من قبل أهداف واشنطن في أفغانستان، وشاهدتم ماذا كانت النتيجة؟ إذا كان لديكم مشكلة مع إيران فلا تخوضوها مع الأميركيين، لأنهم لا يريدونكم فيها سوى أدوات وأحصنة طروادة لتحقيق مصالحهم فقط، رغم زعمكم بتقاطع المصالح. لماذا لا يسأل المتحمسون لخوض معركة أميركا وإسرائيل ضد إيران هذه المرة.
السؤال التالي: ماذا جنينا من مساعدة أميركا في طرد السوفيات من أفغانستان، ثم ماذا كسبنا من تمكين الأميركان من رقبة هذا العالم ومن رقابنا ليصبحوا القوة العظمى الوحيدة التي تصول وتجول دون وازع أو رادع، وتستبيح بلادنا ومقدساتنا بلا شفقة ولا رحمة؟ ألا نتحسر على أيام القطبية الثنائية عندما كانت أميركا تجد من يردعها في مجلس الأمن، وعندما كنا نجد طرفاً نتحالف معه، أو نستنجد به في وجه الجبروت الأميركي الرهيب؟ آه ما أجمل أيام السوفيات! آه ما أجمل أيام الردع المتبادل! آه كم كان خوروتشوف رائعاً عندما حمل حذائه وراح يدق به منصة الأمم المتحدة بكل عزة وكبرياء!
هل أصبح وضع الإسلاميين في العصر الأميركي أفضل مما كان عليه في العصر الأميركي السوفياتي؟ لقد ضحك الأميركيون على الإسلاميين بتصوير السوفيات على أنهم جاؤوا لإفساد أفغانستان المسلمة، ونشر الرذيلة فيها، ووضع الإناث والذكور في مدارس مختلطة. أما الآن فالأميركيون يتباهون بتحرير المرأة الأفغانية من «الاضطهاد الإسلامي»، ودفع الأفغانيات إلى السفور، وتشجيع الفسق، وبيع اللحم البشري، وتزييف عقول الشباب الأفغاني، وحشوها بالمخدرات والسخافات والموسيقى الغربية الهائجة بحجة التحرر.
ألم يعلق الأميركييون صور نساء كاسيات عاريات على جدران كابول بعد غزوهم الأخير لها مباشرة كدليل على تحريرها من تعصب طالبان؟ والسؤال الأهم: كيف يتنطع البعض للوقوف مع الأميركان ضد إيران بينما مازالت أفغانستان درة الجهاد الإسلامي تحت أحذية اليانكي الثقيلة؟ أليس أولى بكم أن تحرروا أفغانستان أولاً قبل الهيجان ضد إيران؟
متى يدرك الإسلاميون أن أميركا لا تفضل سني على شيعي بأي حال من الأحوال، فالجميع، بالنسبة لها، إرهابيون وحثالة وقاذورات، كما سمعنا من كبار كبارهم، ونسمع يومياً على رؤوس الأشهاد. وعندما يتغوط الضباط الأميركيون على كتاب المسلمين في غوانتانامو لا أعتقد أنهم يميزون في تلك اللحظات الحقيرة بين إيراني وسعودي، أو حمبلي وشافعي، أو وهابي ونصيري، أو درزي واسماعيلي .
«يا جند الشيعة والسنة، أعداء محمدعليه افضل الصلاة والسلام, وقنابلهم، كمدافعهم، لا تعرف فرقاً بين الشيعة والسنة ». ليس المسلمون وحدهم فرقاً ومذاهب، فالمسيحيون ينقسمون إلى عشرات الطوائف والفرق، لكنهم في وقت الشدة يقفون صفاً واحداً، والفاتيكان قبلتهم، بروتستانت وكاثوليك. وكذلك اليهود . متى سمعتم، بربكم، أن يهودياً تحالف مع مسلم ضد يهودي حتى لو كان الأخير من مذهب الشياطين السود؟ متى تحالف كاثوليكي مع مسلم ضد إنجيلي أو أورثوذوكسي؟ هل يقبل أي يهودي أو مسيحي أميركي أن يكون أداة في أيدي المسلمين كي يقتل مسيحياً أميركياً آخر أو يناصبه العداء،حتى لو كان من أتباع القرود الحُمر؟ بالمشمش! فلماذا نقتل بعضنا البعض إذن على المذهب والطائفة والهوية، ونخوض معارك دونكوشوتية إرضاء لغاياتهم ومخططاتهم؟ متى تكبر عقولنا وننضج ونتوقف عن خوض معارك الآخرين بدمنا ولحمنا الحي وثرواتنا وعقيدتنا؟ متى نقول لموشي دايان إننا أمة تقرأ، وتفهم، وتتعظ، وتفعل؟
د.فيصل القاسم