لكنهم يتداركون الأمر بإظهار تخوفهم من النتائج غير المتوقعة لهذه المعركة سواء حول علاقتهم بالولايات المتحدة حيث احتدم الصراع مؤخرا بين القيادة العسكرية والسيدة كلينتون المتحمسة لخوض معركة رئاسية أيضا في الرمال الإفريقية، معركة لم يخضها قبلها أي سياسي أو عسكري أميركي.
وترفض القيادة العسكرية الأميركية المغامرة الكلينتونية الجديدة وخاصة أن أحدا لا يعرف بعد مصير معركة كهذه ولا تعرف كلينتون ولا ساركوزي أي شخصية سينتحلون هل هي شخصية رومل أو مونتغمري؟
ومن ثم لا يعرف الشركاء الأساسيون لساركوزي وكلينتون من العرب وخاصة الشريك القطري و"الجامعة العربية" وأمينها العام الجديد أيا من الطرفين سيدعمون أو ما إذ كانت الدوحة قادرة أن تستقبل الأطراف الدولية المتنازعة على البترول العربي على الطريقة اللبنانية في ظل مخاوف من أزمة اقتصادية دولية تشبه إلى حد بعيد الأزمة التي أشعلت الحرب العالمية الثانية.
ويخشى الفرنسيون أولا من نتائج هذه الحرب الليبية على الجزائر تحديدا حيث إن أي أزمة سياسية أو اقتصادية أو أمنية في الجزائر تعني انتقالا مباشرا إلى الداخل الفرنسي.
فالخوف ليس على الجزائر بقدر ما هو خوف منها وعلى فرنسا التي تعيش وضعا سريع العطب وهي على أبواب استحقاقات انتخابية وتهديدات بأزمة اجتماعية.
لذا لا يرى معظم الفرنسيين في سرور وابتسامة المنتصر التي انطبعت على ثغر ساركوزي انعكاسا للمستقبل الزاهر لفرنسا في شمال إفريقيا بل على العكس فهم يرون أن متاعب فرنسا قد بدأت جديا فزيارة ساركوزي للصين كانت كارثية حيث لم يحصل على وعد بأي تعاون بل رجع محملا بمسؤوليته عن كل ما يمكن أن تتعرض له المصالح الصينية في ليبيا واتصالاته بالرئيس الروسي الحالي ميدفيديف والرئيس بوتين كانت أكثر سوداوية.
فالأخير كان واضحا جدا بقوله إنه لا يستطيع أن يتقبل إعادة هيكلة لشمال إفريقيا ولا للشرق الأوسط على الطريقة "المجرية" ملمحا إلى أصول ساركوزي.
ويقول الفرنسيون في هذا المجال: إن ميدفيديف كان واضحا أيضا عندما قال إنه لا يستطيع أن يفهم لماذا يصر الأوروبيون على "بلقنة" جنوب المتوسط في عملهم غير المسؤول هذا؟ ويؤكد العارفون أن ساركوزي لم يجد جوابا يقدمه للصينيين والروس وحتى للأميركيين الذين يسعون للخروج بأقل قدر من الخسائر ولا يسعون للدخول مجددا في رمال الشرق المتحركة وخاصة أن مصالحهم مؤمنة عبر شركائهم التاريخيين وإعادة هيكلة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لم تعد مشروعهم الذي تم اختصاره بأمرين أمن مصالحهم وأمن "إسرائيل" ومن ثم فإن معركتهم الأساسية تختصر بالتالي:
1- تطويع سورية للقبول بأي عرض يضمن أمن "إسرائيل" وتصفية قضية فلسطين والفلسطينيين مقابل استقرارها.
2- إعادة مصر إلى ما كانت عليه سياسيا في عهد مبارك.
3- إلغاء الدور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط وبالتالي إضعافها في آسيا الوسطى.
أما البترول الليبي والغاز الجزائري فتفصيل يمكن التفاوض عليه لاحقا سواء حكمت باريس طرابلس أم روما.
أما الأنظمة وأشكالها فإنها آخر الهموم الأميركية وهي أساسا ليست سوى شعارات تطرح في المزادات السياسية. رغم أن ساركوزي كان قد وعد الأميركيين بدعمهم في معركتهم السورية مقابل دعمهم له في معركة النفط والبنى التحتية في ليبيا لكنه أخفق في تقديم أي معونة لهم فمن آواهم وأعدوا أنفسهم لقيادة "ثورة التغيير" ظهروا أضعف من أن يصبحوا نجوما متلفزين.
لذا يبدو واضحا أن معركة ليبيا لم تنته بعد ولا اكتملت فصولها وليس سقوط القذافي أم بقاؤه هو الغاية كما لم يكن قتل ابن لادن غاية الغزوات الأميركية. فوراء كل منظور شيء آخر.
ويبدو واضحا أكثر فأكثر أن المعركة الأميركية هي في سوريا اليوم، ربما في الجزائر غدا، فمستقبل المنطقة بأسرها عاد بأيدي السوريين، قيادة وشعبا ونظام فكر ونهجا، فإما أن يربحوا المعركة ولا تتكرر الأخطاء وإما أن يخسر الشرق نواته الصلبة.
بقلم: عيسى الايوبي