و كان من أهم نتائج حرب تموز و التي تتأكد يوماً بعد يوم دخول منظومة المقاومة في "منطقة الاستعصاء" على نار الجيوش التقليدية، وامتلاكها المناعة الكافية ليس للصمود فحسب بل وللانتصار في المواجهة وهذا ما أملى على أميركا التحول إلى "القوة الذكية". كما ما جاء مؤخراً باعتراف وزيرة خارجية أميركا و بوضوح كلي أن "اميركا تعتمد في سوريا القوة الذكية" وتتكل على عناصر محليين و أقلييمين لانفاذ أهدافها و حددت بعضهم وتركت للمراقب أن يستخلص بنفسه من ما تبقى من و سائل أعمال هذه القوة ضد "منظومة المقاومة" التي تشمل بشكل أساس كل من إيران و سوريا و حزب الله في لبنان فضلاً عن الجهة المقاومة على الصعيد الفلسطيني.
و قد أصبح واضحاً من التسمية أو التضمين أن ما تعتمد عليه أميركا في استراتيجيتها الجديدة من قوى هو بشكل خاص تركيا و السعودية حسب قول كلنتون، وقطر وجهات لبنانية وفقاً للممارسة وإذا كان المراقب يحاول أن يجد تبريراً ما لهذه الدول في الانخراط
في هذه الحرب، فإن الأمر غير المفهوم من قبل العقلاء والواقعيين هو كيف أن حزب سياسي لبناني (تيار المستقبل) يقحم نفسه فيها و بأقصى ما يستطيع وإلى أبعد مدى و يجعل من ذاته فريقاً يضطلع بمهمة "إدارة وتنفيذ الحرب الباردة" ضد حزب الله في لبنان، والعمل الميداني ضد سوريا، فإذا كانت السلطة والطموح للعودة لها هو الدافع، فإن الأمر يسقطه التاريخ القريب، حيث أن المقاومة ومنذ المتغير الاستراتيجي في لبنان في العام 2005، سهلت وصول هؤلاء إلى استلام السلطة عبر الحلف الرباعي الذي يعتبره الكثيرون خطأ سياسياً فادحاً، كما أن المقاومة ورغم موقف ذاك الفريق ضدها في حرب تموز وتنكره حتى للفظ اسمها "مقاومة " كما فعل فؤاد السنيورة، لم تستثمر انتصارها في الحرب و تقتلع هذا الفريق من السلطة عملاً بما هو متعارف عليه في التاريخ بأن من ينتصر في الحرب ضد الخارج يمسك الحكم في الداخل، و حتى أن المقاومة ورغم الاعتداء عليها في العام 2008 و استفزازها و دفعها لممارسة حق الدفاع عن نفسها و سلاحها، عادت وقبلت باستمرار الفريق المعتدي باستئناف الحكم و قبلت برئيس الحكومة ذاته ليواصل عمله في الحكومة الجديدة فعلت ذلك لأن همها استمرار دورها المقاوم ضد إسرائيل وليس أي عمل آخر بما في ذلك السلطة.
ولكن رغم كل ما ذكر، فإن هذا الحزب لم ينفك عن العمل ضد المقاومة و في لحظة الاختيار الصعب بين موقف وطني يحفظ المقاومة و يبقيه في السلطة، وموقف ضد المقاومة ويعرض سلطته للسقوط اختار رئيس هذا الحزب الخيار الثاني، وتسبب لنفسه بفقدان السلطة، وانتقل إلى اتخاذ مكان إقامة مجهول خارج لبنان يدير منه معركة شعواء ليس ضد المقاومة في لبنان فحسب بل و ضد سوريا، معركة ظاهرها كما ما يقول معظم من يحاول أن يفسرهذا السلوك من الخصوم "العودة إلى كرسي الحكم" أو كما يقول هو و أتباعه "إقامة النظام الديمقراطي الذي لا سلاح في الدولة في ظله إلا سلاح القوة الرسمية ويعني تجريد المقاومة من سلاحها.
أما نحن وعلى أهمية رأي خصوم التيار وواقعيته، وإغراء رأي الحلفاء و" قانونيته " لا نرى هذا أو ذاك وحده المحرك الحقيقي لهذه الجهة، لأنه لو كانت السلطة هي المقصد النهائي، لما كان ضيعها بعد أن كانت في يده، وإذا كانت إقامة الديمقراطية وحكم القانون هو المطلوب فإن الواقع يؤكد بأن لبنان لم يشهد خرقاً للقانون والدستور ونشراً لثقافة الفساد وهدراً للمال العام بالشكل الذي شهده في ظل حكم "الحريرية السياسية " التي جعلت مستقبل لبنان مظلماً. ثم من البديهي القول أن من يريد السلطة لذاتها لا يعادي أكثر من نصف اللبنانين، ولا يعمل على الدفع لحرب مذهبية بين أكبر مذهبين في لبنان يشكلان ثلثي اللبنانين، كما أن من يريد أن يكون حاكماً للبنان لا يعمل بعدوانية ضد الدولة الشقيقة وذات الحدود الوحيدة المفتوحة مع لبنان خاصة وأنه جرب هذه السياسة وارتدت على لبنان مصائب في كل اتجاه حملته يوماً على الاعتذار والذهاب إلى دمشق موحياً بأنه يريد إصلاح ما أفسد، (تبين لاحقاً أنه لم يكن جاداً).
إن هذا الفريق يعلم أن الطريق التي يسلكها لن تعيده لسلطة يهدد عبرها المقاومة وأنها حتماً لن تؤدي إلى إصلاح النظام اللبناني وإقامة حكم القانون لذا يبقى التفسير الوحيد لسوكيات هذا الفريق وهو بكل بساطة ليس أكثر من قيامه بمهمة في مشروع دولي تقوده أميركا "بالقوة الناعمة ضد منظومة المقاومة" تترجم في لبنان حرب أهلية تشغل االمقاومة وفي سوريا زعزعة الاستقرار لهدر الطاقات، دون أن يقتنع بحقيقة باتت قائمة أن المشروع بات متعثراً بعد الانجاز الذي حققته سوريا وبعد ما صيغ في لبنان لتحصينه من الفتنة والاقتتال الداخلي، إلى الحد الذي يمكن القول ببداية تشكل ظروف سقوط القوة الناعمة كما سقطت القوة الصلبة.
لكنني هنا أسأل إذا كان لرئيس هذا الحزب حساباته الدولية والإقليمية الشخصية في الدخول بمشاريع دولية خاسرة، فما الذي يجبر أعضاء ومناصري الحزب نفسه السير معه ضد مصالحهم الشخصية والوطنية خاصة وأن "زعيمهم يتركهم إلى منتجع في الخارج عند أي خطر؟... وإذا كان هذا الشخص يتقن الرهانات الخاسرة كما بدأ منذ 5 سنوات و يتجه إلى الانتحار السياسي، فلماذا تقوم شرائح شعبية في لبنان بالسير معه في مسار خطر وعقيم، خاصة وأنه بات يقيناً أن سوريا انتصرت على المؤامرة، وأن المقاومة تمتلك مناعة و قوة تكفيانها للنجاح في "الحرب الباردة" القائمة ضدها حالياً، كما انتصرت في الساخنة.
*العميد أمين حطيط