أكبر أزمة مالية في التاريخ آخذة في الانتشار من الهيئات الخاصة إلى الهيئات السيادية. وفي أحسن الحالات سيعاني تعافي أوروبا، لأن اليورو الآخذ في الانهيار ينتقص من النمو لدى شركائه التجاريين الرئيسيين. وفي أسوأ الحالات، فإن تفكك العملة الموحدة، أو موجة من حالات التعثر غير المنظمة يمكن أن تتسبب في تفكيك واختلال النظام المالي وأن تؤدي إلى حدوث ركود تتخلله فترة قصيرة من التعافي.
كيف وصل الأمر إلى هذا الوضع؟ ابتداءً من سبعينيات القرن الماضي عمل التحرير والابتكار المالي على تخفيف قيود الائتمان على القطاعين العام والخاص. وقامت الأسر في الاقتصادات المتقدمة - التي كان فيها نمو الدخل الحقيقي ضعيفاً - باستخدام الدين للإنفاق بأكثر مما تسمح به إمكانياتها. ومن الأمور التي غذت هذه العملية نذكر القوانين التنظيمية المتساهلة باستمرار، وعمليات الإنقاذ المتكررة والمكلفة بشكل متزايد (من قبل الحكومات وصندوق النقد الدولي) رداً على الأزمات المتكررة والمكلفة بشكل متزايد، إلى جانب السياسة النقدية المتساهلة التي تم اتباعها اعتباراً من تسعينيات القرن الماضي. وعمل الدعم السياسي لإضفاء الديمقراطية على الائتمان وملكية المنازل على مضاعفة هذا التوجه بعد عام 2000.
وتمت الاستعانة بالتحولات في النماذج الإرشادية الكبيرة لتبرير النمو العالمي المدفوع بالدين: الانتقال من الحرب الباردة إلى إجماع واشنطن، وإعادة دمج الاقتصادات الناشئة في الاقتصاد العالمي، واقتران عاملين مناسبين للحال هما النمو العالي والتضخم المنخفض، والتقارب الذي تم الترويج له بصورة مبالغ فيها قبيل الاتحاد النقدي في أوروبا، والابتكار المالي المتسارع.
وأدى ذلك إلى طفرة استهلاكية في البلدان التي تعاني عجزا وإلى طفرة تصديرية في البلدان ذات الفائض، مع تمويل الموردين بموافقة ورغبة البلدان ذات الفائض. والذي حدث هو أن الناتج والنمو العالمي، وأرباح الشركات، ودخل الأسر وثروتها، والإيرادات والنفقات العامة ارتفعت بصورة مؤقتة إلى مسافة عالية فوق نقطة التوازن. وبسبب التفكير القائم على التمني أمكن لأسعار الموجودات الوصول إلى مستويات عالية قياسية ودفع رسوم التأمين على المخاطر إلى مستويات متدنية غير معقولة. وعندما انفجرت فقاعتا الموجودات والائتمان، أصبح من الواضح أن العالم وجد نفسه في مواجهة سرعة نمو تقل عما كان يأمل ويعول.
وفي الوقت الحاضر تعمل الحكومات في كل مكان على التخلص من عمليات الرفع المالي في سبيل تعميم خسائر القطاع الخاص على المجتمع. لكن الدين العام يعتبر عبئاً خاصاً في نهاية المطاف: تتمكن الحكومات من البقاء عبر فرض ضرائب على الدخل الخاص والثروة الخاصة، أو من خلال الضريبة الرأسمالية الكبرى (التي نعرفها باسم التضخم)، أو العجز الصريح عن السداد. في نهاية المطاف لا بد للحكومات كذلك أن تتحلل من عمليات الرفع المالي ، وإلا فإن الدين العام سينفجر ويتسبب في حدوث أزمات أعمق في القطاعين العام والخاص. وهذا ما يحدث بالفعل في الخط الأمامي للأزمة، أي في الديون السيادية لمنطقة اليورو. واليونان أول من يقف على الحافة، وتأتي خلفها مباشرة إيرلندا، والبرتغال. وفي حين أن إيطاليا لا تعاني من مشكلة انعدام السيولة حتى الآن، إلا أنها تواجه مخاطر انعدام الملاءة. وحتى فرنسا وألمانيا لديهما عجوزات متزايدة. كما بدأت عمليات تقليص الإنفاق العام في ميزانية بريطانيا. وفي نهاية المطاف، سيتعين على الولايات المتحدة كذلك أن تجري تخفيضاً في ميزانيتها.
في بداية الأزمة تصرفت الحكومات بشكل منسق لاستعادة الثقة والنشاط الاقتصادي. والتأم عقد مجموعة العشرين بعد الانهيار الذي حدث في 2008/2009، فقد كنا جميعاً في القارب نفسه معاً نغرق بسرعة.
لكن في 2010 أعادت الضرورات الوطنية تأكيد نفسها. لم يعد هناك تنسيق: ألمانيا فرضت حظراً على البيع على المكشوف من جانب واحد، والولايات المتحدة تعمل على إصلاح قطاعها المالي. والبلدان ذات الفائض ليست على استعداد لتحفيز الاستهلاك، بينما تقوم البلدان ذات العجز ببناء دين عام غير قابل للاستدامة.
إن منطقة اليورو تقدم درساً في كيفية عدم الرد على الأزمات التي تمس النظام بكامله فقد بدأت الدول الأعضاء العمل بمفردها عندما قامت بتأسيس بنوك منتشرة في عموم أوروبا تعمل على أساس الخطوط الوطنية في 2008. وبعد كثير من التردد والرفض حول اليونان، قام الزعماء بتنسيق استعراض ضخم للقوة، وعمِل المبلغ الذي تم تخصيصه للإنقاذ وقدره 750 مليار يورو على تعزيز الثقة ليوم واحد. لكن القواعد ضُرِب بها عُرض الحائط. ذلك أن عمليات الإنقاذ السيادية تكتسب شرعية ببند الهروب الوارد في قاعدة «عدم الإنقاذ»، الموجَّه أصلاً للمشاكل الناجمة عن القضاء والقدر وليس للديون التي يتسبب بها الإنسان. وبدأ البنك المركزي الأوروبي شراء سندات الحكومات بعد أيام من إصراره على عدم شرائها. وهناك مؤشرات ملموسة على وجود توترات في المحور الفرنسي الألماني.
وعوضاً عن الردود المحلية المنفردة، نحن بحاجة إلى حل شامل لهذه المشكلة العالمية.
أولاً، يجب على منطقة اليورو أن تعمل بشكل جماعي. وعليها أن تحرر وتصلح الجنوب وأن تعزز الطلب في الشمال بهدف استعادة الديناميكية والنمو، وأن تخفف السياسة النقدية بهدف منع الانكماش الاقتصادي وتعزيز القدرة على المنافسة، وأن تضع آليات إعادة هيكلة الديون السيادية موضع التنفيذ من أجل الحد من الخطر الأخلاقي الناجم عن عمليات الإنقاذ، وأن تجمد توسعة منطقة اليورو.
ثانياً، ينبغي أن يتحمل الدائنون بعض الصدمة، كما ينبغي على المدينين أن يتكيفوا. هذه مشكلة تتعلق بالقدرة على السداد وتتطلب القيام بعمل كبير جداً. إن اليونان في وضع «أول الغيث قطرة»، والبنوك في إسبانيا وغيرها من البلدان الأوروبية لديها قدر كبير من الديون المعدمة، في حين أن المشاكل ما زالت مستفحلة في القطاع السكني في الولايات المتحدة وفي قطاع المباني التجارية العالمية.
ثالثاً، لقد حان الوقت لإصلاح قطاع التمويل بصورة جذرية. إن غالبية المقترحات المطروحة على الطاولة غير كافية أو غير مناسبة. يجب أن تتم تجزئة المؤسسات المالية الكبيرة، إنها أكبر من اللازم وشديدة الترابط والتعقيد لدرجة تحول دون التمكن من إدارتها. ويستطيع المستثمرون والعملاء أن يجدوا جميع الخدمات المصرفية التقليدية، والمصرفية الاستثمارية، وخدمات صناديق التحوط، والصناديق المشتركة، والخدمات التأمينية التي يحتاجون إليها في الشركات المتخصصة. إننا في حاجة للعودة إلى قانون جلاس – ستيجال.
أخيراً، يجب أن يعاد توازن الاقتصاد العالمي. ينبغي على البلدان ذات العجز أن تعزز الادخار والاستثمار، وأن تقوم البلدان ذات الفائض بتحفيز الاستهلاك. ويجب أن يكون التعويض عن الإصلاح المالي وإصلاح المالية العامة في البلدان ذات العجز هو تحرير أسواق المنتجات والخدمات والعمل على تعزيز المداخيل في البلدان ذات الفائض.
*فاينانشال تايمز- نورييل روبيني وأرنب داس