المجزرةُ التي ارتكبتها «إسرائيل» بعد قيام قواتها الخاصة بالهجوم على سفن أسطول الحرية، الذي يحمل مساعدات إنسانية للفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزة، وأدت إلى قتل وجرح العشرات في عرض البحر، هذه المجزرة ينبغي مناقشة أبعادها، كما ينبغي استغلالها فلسطينيّاً وعربيّاً من النواحي السياسية والقانونية والإعلامية، لتحويلها إلى صالح العرب وقضيتهم.
بدايةً، لا يمكن أيّ إنسان في العالم مهما كان وضعه أن يعترض على فكرة أسطول الحرية الذي تنبع من التعاطف والمساندة لأناس من بني البشر يتعرضون لأقسى أنواع الظلم والقهر بفعل الحصار الذي يفرضه الاحتلال الصهيوني على قطاع غزة منذ عدة سنوات، ورأى العالم على الهواء مباشرةً العدوان الأثيم من قوات الاحتلال ضد البشر والحجر في القطاع مطلع عام 2009م، الذي استخدمت فيه قوات الاحتلال الأسلحة المحرمة دوليّاً ضد المدنيين.
هذه الأوضاع التي رآها العالم، حوَّلت «غزة» إلى معتقل كبير، مع ما يمثِّله من حرمان المرضى والطلبة وأصحاب الحاجات من فرص العلاج والتعليم والسفر، وعدم تمكُّن من هدمت منازلهم جراء العدوان من إعادة بنائها.. كل ذلك حرك ضمائر نفرٍ من النشطاء السياسيين من مختلف أنحاء العالم، فأرادوا تنفيذ مبادرة رمزية لكسر الحصار، كي يلفتوا أنظار العالم إلى معاناة أهالي غزة، فكوَّنوا هذا الأسطول من تسع سفن هي: سفينة شحن بتمويل كويتي ترفع علم تركيا والكويت، وسفينة شحن بتمويل جزائري، وسفينة شحن بتمويل أوروبي من السويد واليونان، وست سفن لنقل الركاب تسمى إحداها «القارب 8000» نسبة إلى عدد الأسرى في سجون الاحتلال، ويحمل الأسطول 650 مشاركاً من أكثر من 60 دولة رغم أنه تلقى مئات الطلبات للمشاركة، ومن بين المشاركين 44 شخصية رسمية وبرلمانية وسياسية أوروبية وعربية بينهم عشرة نواب جزائريين.
وهكذا، فإن استهداف هؤلاء المتضامنين من المدنيين من مختلف أنحاء العالم، والهجوم عليهم بالقوات المسلحة الخاصة «الكوماندوز» وإعمال آلة القتل فيهم بهذه الوحشية، فضيحة عالمية بكل المقاييس ينبغي ألا تفلت من أيدينا فرصة تعظيم الاستفادة منها.
الأمور كانت تشير إلى احتمال حدوث هجوم إسرائيلي على الأسطول، فاليهود منذ فترة وهم يهددون بمنع وصول الأسطول إلى غزة، وبأنهم سيقودون السفن إلى ميناء أشدود واعتقال كل من على متنه في مكان أعدوه هناك مسبقاً لهذا الغرض.
حاول اليهود إقناع تركيا بمنع الأسطول من الإبحار باتجاه غزة، لكن تركيا رفضت اقتراحاً بأن تنقل إلى إسرائيل حمولات السفن المبحرة نحو القطاع من مواد غذائية وملابس ومواد بناء وغيرها من المساعدات الإنسانية على أن يتم إدخالها إلى القطاع بواسطة منظمات إغاثة دولية، تحت رقابة إسرائيلية.
العصبية التي أصابت اليهود ودفعتهم للتصرف بهذا الأسلوب الإجرامي أمام العالم، سببها أنهم يعلمون جيداً أن توالي وصول مثل هذه المبادرات الدولية، رغم محدوديتها، يعني تعاطفاً دوليّاً متزايداً مع الفلسطينيين وقضيّتهم، وفي نفس الوقت فضح للأكاذيب «الإسرائيلية».
وتعتبر «إسرائيل» نجاح قوى دولية متعاطفة مع الفلسطينيين في تمرير قرارات دولية ملزِمة بفك الحصار هو خط أحمر لا يمكن السماح به، لأنه سيعني في النهاية أن المقاومة الفلسطينية انتصرت، وأن حكومة حماس المحاصرة انتصرت، وأن آلة الحرب المتطورة لم تنفع اليهود، وهذا كله من شأنه أن يقلب معادلة الصراع تماماً.
وربما يفسر ما قلناه العنف «الإسرائيلي» المبالغ فيه في التعامل مع هؤلاء المتضامنين من المدنيين العزل، فقد تم مراقبة الأسطول بالطائرات العسكرية لفترة طويلة، ثم تم إنزال القوات التي اقتحمت سفن الأسطول بالمئات من الجنود الذين استخدموا أسلحة نارية وغازات مسيلة للدموع.
وربما أراد «الإسرائيليون» توجيه رسالة إرهاب وتخويف لمن يفكِّر بعد الآن بالمشاركة في مثل هذه المبادرات التضامنية، فحين يسقط الضحايا بالعشرات على أيدي قوات «الكوماندوز» ويُساق الباقون إلى معتقل معدّ مسبقاً لهم، كل ذلك يرى اليهود أنه رادع قوي لكي يريحوا رؤوسهم من هذا الصداع مستقبلاً.
تبقى مشكلة واحدة فكَّر فيها «الإسرائيليون» بعض الوقت لكنهم تجاوزوها بسرعة، وهي التداعيات التي يمكن أن تحدث بعد هذه المجزرة في غير صالحهم.
السبب في ذلك هو الصمت الدولي تجاه جرائمهم المستمرَّة في حق العرب والفلسطينيين، مما جعلهم متأكدين من أن كل خرق من جانبهم للقانون الدولي، وكل تنصُّل من مسؤوليتهم، كسلطة احتلال تجاه الشعب الفلسطيني، لن يحاسبوا عليه، وإنما هناك مَن سيقف الى جانبهم ويدعمهم حتى يفلتوا من العقاب.
وإذا كنا فاقدي الأمل في رد الفعل الرسمي العربي، من جانب سلطة محمود عباس، ومن جانب دول الطوق وعلى رأسها مصر والأردن، وإذا كنا أيضاً فاقدي الثقة في النظام الرسمي العربي المتمثِّل بالجامعة العربية، فليس أمامنا إلا العمل الشعبي الفوري، على المستوى الإعلامي والسياسي والإنساني والاقتصادي.
فعلى المستوى الإعلامي، كل الإعلاميين العرب مطالبون بالمشاركة، كلّ حسب إمكاناته ووضعه، بالكتابة والحديث في ما يمكن أن يصل إليه من وسائل إعلام، عربية وغير عربية، للتأكيد بكل ما يملك من ثقافة وفكر ومعلومات وقدرة على الإقناع، لإثبات أن هذه الجريمة لا تحتمل وجهتي النظر، بمعنى أن اليهود ضُبطوا وهم متلبسون أمام العالم بقتل مدنيين أبرياء من منظمات حقوق إنسان، لا يملكون إلا ملابسهم وأقلامهم ومعوناتهم، وأن من يفعل ذلك ولا يعبأ بنتيجته فهو مجرمٌ بكل ما تحمله الكلمة.
وإذا كان السياسيون العرب سيقفون متفرجين كما هي عادتهم، فعلى الجماهير العربية أن تَهُبَّ للضغط على حكامها من أجل الوقوف في وجه هذه العربدة، وليس أقل من أن توقف السلطة الفلسطينية المفاوضات مع «إسرائيل» سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، وكذلك أن تلغي الجامعة العربية دعم أية مفاوضات، وكذلك الضغط من أجل سحب كل السفراء العرب في «إسرائيل» ووقف كل أشكال التطبيع.
على الشارع العربي، بما فيه من طلبة وعمال ومنظمات مجتمع مدني وأحزاب ومهنيين، الضغط بكل ما يملكون من أجل دعم المقاومة للمشروع الصهيوني، وأن يكون فتح معبر رفح بشكل دائم هو أول هذه الخطوات، وكذلك دعم حماس بالمال والسلاح.
أما المجال القانونيُّ ففيه طريقان، الطريق الأول: لن تقوم به إلا الحكومات، وهو يتعلق بملاحقة مرتكبي المجزرة وقادتهم في المنظمات الدولية وفي الأمم المتحدة، والطريق الثاني: أن يبدأ الأفراد والمنظمات، بالتعاون مع الجهات المتضامنة مع أهالي غزة، في ملاحقة مرتكبي المجزرة أمام المحاكم الأوروبية.
فهل نتعلم من اليهود؟ وهل نقيم الدنيا ونقعدها دفاعاً عن حقوقنا؟ وهل نصحح أخطاءنا التي وقعنا فيها قبل ذلك؟ وهل نستغلُّ الدعم الذي يأتينا من العالم؟ وهل تكره حكوماتنا هذه المرة «إسرائيل» مثلما تكره حماس والمقاومة؟ وهل تتفق إرادة قادتنا ولو مرة ويقولون للاميركان: لا؟
* السيد أبو داود