وأول ما يتطرق إلى الأذهان هو أن إسرائيل تعلم أن مصر الثورة غير راضية عن تنفيذ إسرائيل لبعض بنود اتفاقية كامب ديفيد التي أبرمها أنور السادات، وتبناها نظام حسني مبارك، فقد قدما كل التنازلات التي تريدها إسرائيل والولايات المتحدة بما في ذلك الوضع الأمني في سيناء، وبيع الغاز بأقل من أسعار الأسواق العالمية وغيرها.
وتعرف إسرائيل أن مصر الثورة عاجلا أو آجلا ستقوم بإعادة النظر في بعض بنود هذه الإتفاقية، وستطالب إسرائيل وأميركا بتصليح الوضع، الشيء الذي لا يتماشى مع مصلحة ما يسمى بأمن إسرائيل، أو الشيء الذي لا ترغب فيه إسرائيل.
فمنذ نجاح ثورة 25 يناير 2011 المباركة، وسقوط نظام مبارك، والمسؤولون الإسرائيليون يطلقون التصريحات ضدّ مصر وجيشها، وكرروا في أكثر من مرة أن مصر فقدت السيطرة الأمنية على سيناء بسبب انهيار نظام مبارك.
وفي لفتة إلى الوراء يواجهنا تصريح مهم لوزارة الخارجية الإسرائيلية بالتهديد بإعادة احتلال سيناء، في أعقاب قرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية إعادة فتح معبر سيناء بين مصر وفلسطين الشيء الذي دفع واشنطن إلى التدخل سريعا وطي الموضوع.
وعندما تبين أن نظام حسني مبارك في طريقه إلى الزوال، أطلق وزير الأمن الإسرائيلي، آفي ديختر، عام 2008 تحذيرا يقول إن إسرائيل خرجت من سيناء بعد اتفاقية كامب ديفيد، وهي تحمل ضمانات أميركية بأنها تستطيع العودة إليها إذا حدث تغيير في سياسة النظام المصري بالنسبة لإسرائيل.
وتشمل هذه الضمانات: "منع القوات المسلحة المصرية من التواجد في ثلثي سيناء، وقبول تواجد قوات أجنبية بما فيها أميركية في تلك المنطقة" ولا يجوز لمصر حسب المعاهدة المذكورة أن تطالب بسحب هذه القوات من أراضيها إلا بموافقة الدول الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن، وهو أمر يتناسب مع إسرائيل طالما أنها تضمن حق النقض "الفيتو" الأميركي.
وحسب هذه الاتفاقية أيضا فإن مهمة هذه القوة الدولية مراقبة الجانب المصري فقط، أما الجانب الإسرائيلي فتتم مراقبته بعناصر مدنية وليست عسكرية، وهذا معناه استعمال سيناء كسيف مسلول على رقبة مصر، وأي تحرك لا تقبله إسرائيل، سيضع مصر في مواجهة ليس مع إسرائيل فقط، بل مع أميركا.
ويعرف قادة إسرائيل أنه من بين البنود الواردة في هذه الاتفاقية، هناك البند الرابع من المعاهدة والخاص بالترتيبات الأمنية والذي يسمح لأي طرف من الطرفين المطالبة بإعادة النظر في هذه الترتيبات، وأنه في حالة وقوع خلاف يستطيع الطرفان الاعتماد على المادة السابعة من المعاهدة التي تسمح باللجوء إلى التحكيم "على غرار ما حدث في مشكلة طابا".
وتريد إسرائيل استباق الأحداث وخلق أزمة مستعملة أسلوبها المعهود في در عطف العالم على تحركاتها بحجة أنها تحركات "دفاعية عن النفس"، وها هي تعلن بكل وقاحة أن الجيش المصري لا يستطيع أن يسيطر على الوضع الأمني في سيناء، مما يسمح لها التهديد باتخاذ قرارات: "لحماية أمنها والدفاع عن مواطنيها"، حسب تصريحات رئيس وزرائها بنيامين نتياهو "هآرتس 21/ 8/ 2011".
فكانت عملية قتل الجنود المصريين عملية استفزازية لها أهداف محددة متعلقة برد فعل الشارع المصري، ومحاولة للسيطرة على التمرد الداخلي في إسرائيل؛ وكان رد الشارع المصري عنيفا لدرجة أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة طلب من سفير مصر العودة للقاهرة "للتباحث"، ورفض الاعتذار الهش الذي بثه وزير الحرب الإسرائيلي ايهود براك.
ولا يمكن اعتبار رد الشارع المصري بأنه نتيجة الجريمة التي ارتكبتها إسرائيل ضدّ الجنود المصرين فقط، بل جاء الرد ليعبر عن غضب الشارع المصري بالأساس على اتفاقية كامب ديفيد، وتغاضي السادات ومبارك وبالتالي إسرائيل عن عدم تنفيذ البند الفلسطيني الداعي إلى إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة منذ 1967.
وغضب الشارع المصري من رؤية العلم الإسرائيلي يرفرف في سماء القاهرة، في الوقت الذي تقوم إسرائيل بالمجازر ضدّ الشعب الفلسطيني، وتفرض حصارا غير إنساني على قطاع غزة، وتجرف معها نظام مبارك داعما لها، في ظل اتفاقية كامب ديفيد التي أخرجت مصر السادات ومبارك من معادلة الحرب ضدها، فأمنت بذلك حدودها الجنوبية. ولهذا لم يكن غريبا أن نرى الشاب أحمد الشحات يتسلق مبنى العشرين طابقا ليصل إلى مقر السفارة الإسرئيلية ويخلع العلم الإسرائيلي ويضع العلم المصري مكانه.
ولم يقتصر الوضع على ما ذكرنا فقط، بل رفع المتظاهرون شعارات تنادي بإلغاء الإتفاقيات التجارية مع إسرائيل، ومنع عبور السفن الحربية الإسرائيلية في قناة السويس الشيء الذي تسمح به اتفاقية كامب ديفيد.
وسارعت الولايات المتحدة بإرسال مساعد وزيرة الخارجية الأميركية، لشؤون الشرق الأدنى، جيفري فيلتمان، إلى القاهرة "يوم 22/ 8/ 2011" يحمل تعزية من الرئيس الأميركي باراك أوباما بمقتل الجنود المصريين، ومحاولة من واشنطن لاحتواء الأمر قبل أن يزداد تفاقما. وقد أثارت هذه الزيارة حفيظة الكثيرين حيث إن الإدارة الأميركية لم تدن عملية قتل الجنود المصريين.
ولم يستطع فيلتمان التهرب من ذلك حيث ساله أحد الصحفيين في المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد لقائه مع وزير الخارجية المصري: "لماذا لم تقم الولايات المتحدة بإدانة قتل المصريين على الحدود"؟ فرد الدبلوماسي الأميركي قائلا: "لقد بدأت الإجتماع اليوم "مع وزير خارجية مصر" بنقل تعازينا إلى الوزير لفقدان أرواح المصريين!". بمعنى أن الولايات المتحدة غير معنية بإدانة الجريمة التي قامت بها إسرائيل. وظهر فيتلمان بأنه يقوم "بالضحك على ذقون الشعب المصري".
أما بالنسبة لما يدور داخل إسرائيل، فقد استفاد نتنياهو من هذه الحادثة فألغيت المظاهرة الأسبوعية ضدّ حكومته، وفتحت المجال أمام المزيد من تصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين معبرين عن حقيقة تفكيرهم وعنصريتهم. فقد صرح، على سبيل المثال لا الحصر، داني دانون، نائب رئيس الكنيست أن لليهود حقا مطلقا على كل أرض إسرائيل. "هآرتس 22/ 8/ 2011".
لقد ساد الاعتقاد لدى إسرائيل وبعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة بالذات أن الربيع العربي قد نسي القضية الفلسطينية، وأن اهتماماته الآن تتعلق بالتركيز على الأوضاع الداخلية في مقدمتها الأوضاع الإقتصادية. ولكن رد الشارع المصري على مقتل الجنود المصريين برهن عكس ذلك. كما قامت الحكومة المصرية بتمرير: "رسالة صارمة إلى إسرائيل جاء فيها أن أي عملية عسكرية ضدّ قطاع غزة قد تؤدي إلى تجميد اتفاق السلام بين البلدين" "معاريف 24/ 8/ 2011". هذا الكلام يبرهن عكس ذلك الاعتقاد، ويثبت أن القضية الفلسطينية لا تزال تلعب دورا رئيسيا في الحياة العربية، كما برهن أن اتفاقية كامب ديفيد قد بدأت تترنح وتظهر خفاياها التي حاول طمسها أنور السادات وبعده حسني مبارك، ولكن تبين للجميع أن الشعب المصري واع لكل ما يدور وانتظر الفرصة ليعبر عن ذلك عمليا.
*د. فوزي الأسمر