منذ بداية التسعينيات، وفي ذروة التفرّد الأميركي بالهيمنة على العالم، وجدت أنظمة الحكم العربية المساحة الكافية للتمادي في سياساتها الديكتاتورية والقمعية، في ظل غياب الدعم الحقيقي لأي حراك معارض، مما أجبر التيارات المعارضة في جميع أنحاء الوطن العربي على الانحناء أمام هذه العاصفة والتكيّف معها كلٌّ بطريقته. فغابت بالتالي المعارضة الجذرية والفاعلة عن الشارع، وبرزت أشكال جديدة من المعارضة في الوطن العربي يمكن تلخيصها في ثلاثة خطوط رئيسية.
أولى هذه الخطوط تبنى عملية المعارضة والاصلاح من داخل النظام السياسي المهيمن، وقد تعددت أشكال هذا الخط من المعارضة حسب الظروف المحيطة به، كالانخراط في عمليات الديمقراطية المزعومة من خلال المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية المختلفة، أو كالمشاركة في حكومات أو مؤسسات ومشاريع حكومية. ولكن رغم تعدد الأشكال التي انتهجها هذا الخط كوسيلة للتغيير او الاصلاح، ورغم تعدد تجاربه، إلا أن الفشل كان حليفها، وهذه تجربة الأخوان في مصر والأردن وتجربة حركة التجديد في تونس وكذلك العدالة والتنمية في المغرب خير دليل على ذلك الفشل. إذ كيف يمكن أن يُهزم نظام ما وهو يلعب وفق قواعده وضمن شروطه؟ وفي المقابل كيف يمكن للمعارضة أن تحقق أية مكاسب دون توفر ادوات ضغط بين أيديها؟
أما ثاني خطوط هذه المعارضة الطارئة فقد تحوّل بإتجاه المواجهة المسلحة، ولجأ إلى العنف على اختلاف درجاته. ورغم رواج هذا الخط من المعارضة في بعض الأقطار، إلا أن آثاره كانت كارثية في جميع تجاربه السابقة، ولنا في الصومال والسودان والجزائر عبرة. كما أن فشله محتوم هو الآخر في ظل غياب الدعم لحركات المعارضة الوطنية من جهة، وفي ظل التنسيق الأمني بين القوى العظمى والأنظمة العربية من جهة أخرى.
أما ثالث وآخر هذه الخطوط فهو خط يعرف أحيانا بمعارضة المكاتب أو بالمعارضة الناعمة ، حيث تكتفي التيارات التي رفضت أن تكون جزءا من لعبة سياسية زائفة أو جزءا من معارضة مسلحة، بالمشاهدة واصدار البيانات أو اعداد التقارير على أحسن تقدير. وقد اتخذ هذا الخط أشكالا متنوعة بدءا من أحزاب صورية وليس انتهاءا بمنظمات حقوقية ورقية . أما مكمن عجز هذا الخط من المعارضة عن التأثير، فنابع بالدرجة الأولى من فوقيته وبعده عن الشارع، اضافة إلى تجاهل المجتمع الدولي وعدم اكتراثه لا بتقارير ولا ببيانات ولا بمناشدات ما دامت تعارض مصالحه.
عودة إذا إلى ربيع الثورات وأثره على المعارضة في الأقطار العربية، إذ نستطيع الجزم بأن هذا الربيع قد أسقط جميع هذه الأشكال البائسة من طرق المعارضة. فقد أعطت الثورات العربية درسا لأنصار الخط الأول بإمكانية التغيير وخلق واقع مغاير وجديد خارج الأطر التي حددها النظام المهيمن، وهم الذين طالما رددوا أسطوانة مشروخة تدعو تارة إلى أخذ الواقع وموازين القوى بعين الاعتبار، وتارة أخرى إلى عدم تجاوز الأطر الدستور ، كما دعوا مرارا وتكرارا إلى عدم الانجرار وراء الأحلام الثورية البعيدة المنال ، فجاء هذا الربيع ليكشف عن عجزهم وتخاذلهم وعدمية أنصاف المواقف التي كانوا يتبنونها.
أما بالنسبة للخط الثاني والمتمثل بالمعارضة المسلحة، فقد شكل الربيع العربي لها ضربة قاصمة هي الأخرى، وأثبت أن الشعوب ليست بحاجة إلى قوة السلاح للاطاحة بالديكتاتوريات بقدر ما هي بحاجة إلى تجانس مجتمعي وإرادة شعبية ووعي وجرأة في المواجهة السلمية، فإرادة الشعوب أقوى من جميع الأسلحة.
كما جاء هذا الربيع أيضا بمثابة المسمار الأخير في نعش الخط الثالث من المعارضة، ليثبت له إستحالة التغيير من أبراج عاجية، ويبرهن له أن الالتحام بالشارع هو الطريق إلى الخلاص دون غيره. كما أعطى درسا في ضرورة الرهان على أبناء الشعب والالتحام معهم بدلا من الدخول في متاهات الرهانات الخاسرة على منظمات دولية لم تعد تسمن ولا تغني من جوع.
جاء إذا الربيع العربي ليلقن المعارضة دروسا كما لقن الأنظمة السياسية الحاكمة، ومن جملة ما كنس هذا الربيع تلك التيارات المعارضة بأنصاف المواقف والتيارات المتشددة حتى الغلو، ليبرهن للجميع أن بوصلة الشعب هي الأبقى، مهما انحرفت عنها قوى المعارضة والتيارات المحسوبة عليها.
*رامي أبو جبارة – القدس العربي