نعم، إنه ربيع لطالبان بامتياز، ففي يوم الخميس الماضي وحده خسر الأميركان وبضربة واحدة 31 جنديا من قواتهم الخاصة، ومعهم ثمانية من الجنود المحليين، بعملية نوعية أسقطت فيها طائرة عسكرية أميركية من نوع شينوك كانت تحاول الإغارة على أحد مقرات طالبان في وادي الموت وسط أفغانستان، ومن المتوقع أن تكون هذه القوة الأميركية النوعية المبادة، هي ذاتها التي شاركت في عملية قتل ابن لادن، بمعنى أنها تضم بين صفوفها نخبة من المحترفين.
وبحسب البيانات العسكرية الأميركية تعتبر هذه أول خسارة بهذا الحجم وبضربة واحدة تتلقاها القوات الأميركية منذ احتلالها لأفغانستان قبل عشرسنوات، وبنفس الوقت قتل ثلاثة جنود بريطانيين جنوب البلاد، وقبلها بيومين تم إحراق 28 شاحنة وقود تابعة لحلف الناتو، وقبل أسابيع وجهت طالبان ضربة نجلاء لقرضاي وعصابة حكمه عندما اغتالت أخاه أحمد قرضاي رئيس المجلس المحلي في قندهار، وأحد أهم مقربيه لتجنيد الأعوان.
من جانب آخر وبالتزامن مع هذه العمليات يتواصل القصف الجوي العشوائي للمدنيين في مختلف مناطق أفغانستان وخاصة الريفية المتاخمة للحدود مع باكستان، وكانت آخر حصيلة لآخر عملية قصف، مقتل 8 مدنيين آفغان في ولاية هلمند.
خريف أميركي لا فكاك منه إلا بالهروب وترك أفغانستان لأهلها يقررن مصيرها لوحدهم، ومن دون وصاية وتدخل، فطالبان لن تستجيب لأي دعوة أميركية للمهادنة أو المشارطة، وهي تعتبر خطة أوباما بالانسحاب الكامل عام 2014، مجرد وسيلة خادعة لفرض أمر واقع لا ترتضيه بأي حال من الأحوال.
مع بدء انتقال الملفات الأمنية من القوات الأميركية وحلفائها إلى تشكيلات حكومة حامد قرضاي، وتدشين خمسة مدن بهذا التسليم، بدأت معالم الاستسلام لقدر طالبان واضحة للعيان في هذه المدن وغيرها من المناطق الخاضعة مباشرة لسيطرة قوات الناتو، خاصة بعد تيقن الجميع بأن أي حل للمشكلة الأفغانية لا بد له من ترخيص طالباني، فالأميركان يتوسلون طالبان للمشاركة في الحكم وكذا الحال بالنسبة للبريطانيين، أما الفرنسيون فقد كانوا سبقوا الجميع بتفاهمات ميدانية مع بعض الكتائب المحلية لطالبان، بموجبها يدفع الفرنسيون جزية لطالبان حتى لا يتم التعرض لمعسكراتهم، بشرط مفاده أن لا يخرجوا من تلك المعسكرات، وإن حدث وخرجوا منها فإن الاتفاق يكون باطلا والأموال المدفوعة لا ترجع؛ وقبل أيام قليلة قتلت طالبان ثمانية عسكريين فرنسيين لأنهم لم يلزموا معسكراتهم، وكان قد أعلن ساركوزي بأن ثلث القوات الفرنسية سيتم سحبه حتى نهاية العام القادم.
إن موسم الانسحابات الإجباري سيطل برأسه وبقوة لأن الوجود العسكري الغربي في أفغانستان مثل عدمه، وأزمة الميزانية الأميركية تضغط بقوة نحو تخفيض النفقات وبكل الاتجاهات.
أعلن أوباما بأنه سيسحب 30 ألف جندي من قواته هذا العام، وتشاركه في الانسحاب الجزئي القوات البريطانية، وما أعلنه أوباما من جدول زمني للانسحاب عزز ثقة طالبان بنفسها وزعزع ثقة المترددين والمتعاونين مع الأميركان، وعليه بدأ مسلسل تغيير الولاءات مبكرا، وهذا سيساعد طالبان أكثر على التصلب بموقفها الرافض لأي مساومة على شروطها الثابتة، حيث الانسحاب الكامل للقوات الأجنبية من البلاد قبل أي بحث جدي في الحلول السياسية معها، أو قبل أي تفاوض في المسائل العالقة.
لم يقتصر الأمر على حث الوسطاء الأفغان من ذوي العلاقات الحسنة مع طالبان لإقناعها بضرورة التفاوض مع حكومة قرضاي والأميركان معا، إن رغبوا في حل سلمي ينصف كل الأطراف، وإنما شمل وبقوة الضغط على مراكز قوى متنفذة في الدولة والحكومة الباكستانية بحكم علاقاتها التاريخية غير المباشرة بطالبان أفغانستان، لتشجيعها على التفاوض والانخراط في العملية السياسية التي يقودها حامد قرضاي بوصاية الأميركان، وراحت المخابرات الأميركية ترسم خططا لتحرك الباكستانيين بهذا الاتجاه مستثمرين تواجد عدد من كوادر طالبان في المعتقلات الباكستانية، والتواجد العلني لبعض الشخصيات الأفغانية المحسوبة على طالبان والتي تقاعدت عمليا منها.
لكن إصرار طالبان وتفهم الباكستانين لهذا الإصرار جعل الأميركان يضغطون بأساليب أخرى لتحفيز الأجهزة الباكستانية على التناغم مع الخطة الأميركية لدفع طالبان نحو التفاوض حول حلول سياسية غير مشروطة، ومن هذه الأساليب ابتزاز الحكومة الباكستانية بحجم المساعدات الأميركية لها.
موقف طالبان لم يتغير برغم تغير اللهجة الأميركية وتعدد عروضها المفعمة بالمساومات، وكثيرا ما تأتي ردود طالبان قاطعة سياسيا عبر الوسطاء، وحارقة ميدانيا في الرد على المبادرات والتحركات الأميركية سياسيا وعسكريا، وذلك بعمليات هجومية وخارقة، لتوقع أكبر قدر من الخسائر بالقوات الأجنبية والأفغانية المساندة لها، وأحيانا تسخر طالبان وعلى طريقتها المستقيمة من الادعاءات الأميركية ومن تبجحات قرضاي وحكومته، وذلك بعمليات نوعية متخصصة تفضح هشاشة ما يعلن عنه المحتلون وبتوقيتات تكذب ما يعكسه المروجون، فعملية قتل شقيق حامد قرضاي ومن ثم عملية تفجير مجلس فاتحته، جاءت لتكذب ادعاءات قدرة قرضاي على تسلم الملفات الأمنية ولو جزئيا، وما كان قد حدث من عمليات نوعية في وسط منطقة السفارات في كابل وداخل بعض المعسكرات بعد قرار أوباما بزيادة عدد قواته في أفغانستان يعبر عن رد فوري، فحواه أن زيادة القوات لا يغير من النتيجة المحتمة، بدلالة ما جرى ميدانيا وحتى الآن.
إن العمليات العشوائية الأميركية في أفغانستان وباكستان، والتي غالبا ما تؤدي لسقوط ضحايا أبرياء، تؤكد حالة اليأس الأميركي من جهة، وتعزز ثقة طالبان بنفسها وتزيد من شعبيتها من جهة أخرى، وتوسع من حالة فقدان الثقة بالقدرة الأميركية على فرض حل يناسبها وحلفائها قبل موعد انسحابها المعلن.
*جمال محمد تقي