أصبح لدينا الآن في الوطن العربي ثلاث اسرائيلات الأولى في فلسطين أقيمت عام 1948 وشكلت خطرا ماحقا على الوطن العربي ومنعت وحدته وعطلت التنمية فيه وشلت قدراته ، والثانية في العراق حيث حكومة كردستان العراق التى أقيمت اثر غزو واحتلال العراق ربيع العام 2003 ، والثالثة في السودان حيث دولة الجنوب التى أقيمت في صيف هذا العام بناء على اتفاق نيفاشا لوقف النار في السودان والذي صاغته أميركا ونص على استفتاء بشأن مصير الجنوب وكانت نتيجته انفصال الجنوب عن السودان .
سأكون محام للشيطان ، وأعترف أن اسرائيل الأولى لم تقم في فلسطين لولا وجود من سهل لها الطريق ولا أعني بذلك بريطانيا ، ولم تستمر لولا تعاون جهات اقليمية معها . فالفرقة العربية هي المسؤولة عن قيام واستمرار اسرائيل . وهذه الفرقة هي المسؤولة أيضا عن ضياع العراق وقيام دولة كردستان العراق ودولة جنوب السودان التى تعد مؤشرا قويا على ضياع السودان وتقسيمه .
لا أجد من المناسب الآن وبعد 63 عاما من تحول اسرائيل من عصابات مسلحة ارهابية تدعمها بريطانيا الى دولة نووية تدعمها أميركا وأصبحت مقبولة في المنطقة ، لأنه لا فائدة من ذلك ، لكن لا بد من فتح ملف كردستان العراق ، ولمن لا يعرف ، فان كردستان العراق العين الاسرائيلية على العراق ، ورعى هذا التحالف جيدا ، الى درجة أن الأكراد وبزعامة مصطفى البارزاني شكلوا خطرا ملحوظا على العراق وها هم يكافأون بدولة خاصة لهم ونصب رئيس جمهورية العراق ما بعد الاحتلال منهم وكذلك وزير خارجيتها ، نظيرا استخدامهم من قبل اسرائيل قنبلة للايجار لتفجير العراق .
لا أبالغ في القول أن قلت أن أحد أهم أسباب غزو واحتلال العراق كان مكافأة الأكراد واعطائهم مملكة خاصة بهم كخطوة أولى لتقسيم العراق ، ومع ذلك لم يكتفوا بهذه المملكة النفطية ، بل تعدوا ذلك الى المطالبة بالسيطرة على كركوك والموصل ، وباتوا شوكة في حلق العراق اضافة الى ما يعانيه من أطماع داخلية وخارجية أخرى.
ها هي جمهورية كردستان العراق تعج بالوجود الاسرائيلي الاستخباري والعسكري والاقتصادي والعقاري ، وكأن وحدة الحال اكتملت بين اسرائيل الأولى في فلسطين واسرائيل الثانية في العراق .
أما اسرائيل الثالثة فهي دولة جنوب السودان التى ولدت في تموز الماضى من رحم اتفاق نيفاشا الذي صاغته ورعته أميركا لوقف القتال بين الجنوب والشمال في السودان ، حيث نص هذا الاتفاق على ضرورة اجراء استفتاء على مصير الجنوب ، ونجم عن ذلك انفصال الجنوب عن الشمال دون أن يعي من يهمهم الأمر خطورة ذلك على مصر والسودان .
تماما كما هو الحال بالنسبة لدولة كردستان العراق اذ نجحت اسرائيل في استخدام زعامات جنوب السودان بيادق لها وجعلوا من الجنوب قنبلة للايجار لتفجير السودان ، منذ ما بعد استقلال السودان عام 1956 ، اذ خاضوا حروبا متواصلة ضد الشمال ، أسفرت عن تعطيل التنمية واستنزاف القدرات ، وهكذا انتهى المطاف بالجنوب الى دولة مستقلة ترعاها اسرائيل الأولى .
لا تكمن القصة فقط بفصل اقليم ما عن جسد الوطن المنهك أصلا ، ولكن القضية في السودان أكبر بكثير من ذلك ، فدولة الجنوب سكتون مقدمة لدويلات أخرى في السودان ترعاها اسرائيل . كما أن خصوصية الوضع في جنوب السودان تجعل الخطورة الناجمة عليها مزدوجة ، حيث طال كلا من مصر والسودان وبينهما نهر النيل المشترك اذ أن اسرائيل التى نجحت وعن جدارة في ايجاد موطيء قدم لها في أفريقيا وأعالي النيل ، ونسجت علاقات قوية مع الأفارقة ، سوف تتحكم في مياه نهر النيل ، وأول ما قامت به في هذا المجال هوتحريض أثيوبيا على الغاء الاتفاقيات القديمة التى تعنى بتقاسم مياه نهر النيل بين دول منبعه ومصبه .
كان يفترض أيضا أن تسبق اسرائيل جنوب السودان وشمال العراق اسرائيل أخرى في لبنان ولكن الله سلم وفشل مشروع بشير الجميل وسعد حداد وأنطوان لحد ، بعد أن رهن الانعزاليون أنفسهم لاسرائيل.
لن تقف الأمور عند هذا الحد ، فبعض الحراك العربي الذي نراه ويقوده سفراء الدول الكبرى واسرائيل يؤشر لشرق أوسط جديد ، حيث قررت أميركا التخلص من أصنامها السياسية في الوطن العربي عن طريق الفوضى الخلاقة بعد عجزها عن ذلك عسكريا .
ما أود قوله هو أن الوطن العربي معرض للتقسيم بعد شطب خارطة سايكس – بيكو ليصبح كانتونات اثنية وعرقية وطائفية ، تكون مرتبطة كلها باسرائيل الأولى .
" ليس كل ما يعرف يقال ، ولكن الحقيقة تطل برأسها "؟!
*أسعد العزوني