في هذه المظاهرة لم أكن صحافية. لم أكتب مقالا في الصحيفة، لم ابحث عمن اجري معهم لقاءات صحافية ولم اكن متهكمة ومتشككة. في هذه المظاهرة كنت مواطنة في الدولة، أتصبب عرقا واتفاجأ مع 300 الف آخر مثلي.
هذا الاحتجاج يجرفني. يسيطر على أفكاري. يواسيني. يثير انفعالي. ولكنه مخيف ايضا. فهو يشبه في نظري الفكرة الوليدة، الطاهرة والهشة لعالم عنيف، مغلق الحس، معلب وأسير في لغة عاجزة. ماذا سيكون عليه؟ كيف يمكنه أن يتحول الى رؤيا كبيرة، حساسة وحرة وجميلة؟ كيف سنحافظ عليه كي لا يفقد هذا الدفء وهذا الخير؟ هل يمكن الا يفقد الدفء؟
وعندها، في ظل هذه الجلبة في شارع ليوناردو دي فنشي، لاحظت زوجين شابين. حولهما دارت حركة بشرية لا نهاية لها، تحيط بهما، تتجاوزهما. ولكنهما وقفا في مكانيهما. بلا حراك. كالاشارة الضوئية. المرأة رفعت يدها الى الاعلى وهي ترفع قطعة كرتون. لن نغفو مرة اخرى ، كان مكتوبا فيها. زوجها عانقها من الخلف، مشرق العينين، وعلى وجهها ابتسامة رقيقة مفعمة بالجمال. كلمات لن نغفو مرة اخرى دارت في رأسي المرة تلو الاخرى عندما ركبت الدراجة عائدة الى بيتي. لن نغفو مرة اخرى. حبذا. ولكن لحظة، ممَ استيقظنا في واقع الحال؟
استيقظنا من الاحساس باننا اضعنا أنفسنا. من سنوات عديدة لم نعالج فيها أنفسنا. هجرنا الرغبة في التغيير، في الحديث، في الفعل، ووجدنا أنفسنا احياء ونجلب الحياة في دولة لا ترانا. لا نهمها حقا، منشغلة فقط في ظل نفسها. ونحن لم نضع تحد امامها. لم نهز ولم نشك.
والان نحن نهزها. نخيفها. نجبرها على ان ترانا، ان تلاحظ الازمات، الارادات، ومواقع الجمال لدينا. سيكون هذا صعبا عليها. فهي قوية جدا، منذ عقود عديدة وكلمات التضامن، الصداقة، الحب، المساواة لم تطلق. سيكون صعب علينا ان نعلمها الحديث من جديد. فهذه ستبدو على لسانها متعثرة. ولكن محظور ان نتراخى. محظور ان نتنازل. محظور ان نتعب. محظور ان نتكاسل. محظور ان نيأس. هذه يحصل مرة في الحياة ، قالت لي صديقة هذا الاسبوع. هذه فرصة تأتي لمرة واحدة، قد تكون الاخيرة . وهي محقة.
تذكرت مظاهرة اخرى غطيتها قبل عدة اشهر. فقد خرج اليسار الى الشوارع في اعقاب التشريع العنصري والخطاب القومي المتطرف الذي غمر الكنيست: لجان القبول، قانون النكبة، اعلان الولاء، قانون المقاطعة، وغيرها وغيرها. تشريع كله تجاهل الاحتياجات الحقيقية للمواطنين. وعندها جاءت ايضا الاقوال التي قالها افيغدور ليبرمان حين وصف منظمات حقوق الانسان في اسرائيل بانها مساعدات للارهاب . واليسار خرج من عدم اكتراثه. هذا الاسبوع تذكرت تلك المظاهرة غذ هناك ايضا وقف شاب يحمل يافطة كتب عليها الاغلبية الصامتة تستيقظ .
غداة المظاهرة اياها نشر مقالي في الصحيفة. وهكذا كتب فيه: بعد فترة طويلة كانوا فيها (ولا يزالون) في ضنك نفسي شخصي وجمعي عميق بعيدا عن الواقع السياسي الداخلي والخارجي... استيقظ امس اليسار... أمس حاول المتظاهرون أن يفهموا كيف وصلنا الى واقع يعتبر فيه التفكير المنطقي، الجميل والبسيط، الذي يولد فيه البشر متساوين امام الله والقانون، انه يسار منبوذ، مطارد ومتطرف اليوم .
قرأت اليوم تلك الكلمات مرة اخرى. لا ريب ان الصرخة التي تصدر اليوم عن جادة روتشيلد هي من الصرخات العادلة. ولكن كيف يمكنها أن تحدث الثورة في الوعي، التغيير العميق والجذري في سلوك الدولة تجاه مواطنيها وسلوك المواطنين تجاه الدولة؟ كيف سيتغير سلم الاولويات؟ كيف سنعرف كيف نستبطن ونعبر عن التضامن والرأفة والحساسية والعدل، طالما كنا جزءا من دولة محتلة؟
وهذا ليس فقط لان الاحتلال هو ثقب أسود يبتلع كميات لا نهاية لها من اموالنا. بل اساسا لانه طالما كان هناك، فان الدولة ملزمة بان تكون عنيفة، مغلقة الحس وفظة الروح والقلب، لغتها لغة القبضة. ومنتخبو الجمهور فيها يتحدثون بلغة الاحتلال، تحتلهم وتصبح لغتهم الحصرية. وعالم القومية الذي نعيش فيه يصبح عالما ذا نزعة قوة. عالما عدوانيا لنزال الايدي ومن يتراجع أولا. عالما تكون فيه كلمات مثل العدالة الاجتماعية ، التوزيع العادل ، مساواة الفرص و الرحمة تستقبل بالاحتقار وبالنفور. عالما يؤخذ فيه جندي بالقوة من عائلته ودولته، بل ورئيس الوزراء لا يفكر بانه يكفي المبرر الاخلاقي واليهودي لتحريره. إذ في مثل هذا العالم القوي وحده هو الذي يبقى.
القوة أصبحت الكلمة الوحيدة المفهومة. الرأسمالية، الليبرالية الجديدة، فقط ليبرمان يفهم العرب ، رصاص مصبوب ، سوبر تانكر ، اعتبارات الامن ، سور ، محو ، سحق ، سوق حرة ، خطوط حمراء كلمات رديفة لصمت الانسانية.
هناك بدأ هذا. في مكان ما في اثناء احتلال الدولة خرجت عن الطريق وتركتنا نحن الاغلبية الصامتة. ونحن، في البداية بلا مفر وبعد ذلك انطلاقا من البلادة اصبحنا مواطنين في دولة القوة فيها هي خلاصة كل شيء. فقد طورت الدولة هوسا للقوة والقت بلا حساب بالمقدرات لتطويرها وتعظيمها وزيادتها أكثر فأكثر.
وماذا لكل هذا والعدالة الاجتماعية؟ لا شيء. الاحتلال والقوة هما الجانب المظلم من العدالة. من تتلوى في فمه كلمات مثل تصفية ، انتقام ، محو ، ترحيل ، قتل كالسكاكر المطاطية، لن يعرف كيف ينطق كلمات رحمة، ضمير وعدالة دون أن يشعر بانه داس على عربيد. اذا واصل هذا الاحتجاج التملص من التصدي للمشكلة الحقيقية الاحتلال فانه لن يحقق الفكرة الكبرى التي ينطوي عليها. فهو فقط سيحقق المال الى هنا وقليلا آخر الى هناك. لن يغير اللغة، السياسة، قواعد اللعب وعلى أي حال ايضا لن يغير الواقع. نعم، فترة معينة السياسيون سيتحدثون بطريقة مختلفة، ولكن سرعان جدا ما تعود القوة الى الحكم ويعود العالم الى عادته القديمة.
في منتهى السبت الماضي كان في تل أبيب ربع مليون شخص هتفوا: عدالة اجتماعية . ولكن لا يوجد مجتمع عادل لا توجد فيه عدالة للجميع. اذا لم تكن عدالة تجاه الاخر ايضا، اذا لم تكن امكانية غد عادل، فلن تكون عدالة على الاطلاق. ولتذهب الثورة.
مايا بنغل ?
معاريف
14/8/2011