الانتحار يعني التصرف المتعمد من قبل شخص لوضع حد لحياته. ويرى بعض علماء النفس أنه قتل للنفس تخلصا من الحياة.وقد اختلفت الآراء حول دوافع الانتحار، هل هو عملية تعكس شجاعة الشخص المنتحر؟ أم عملية تعكس جبنه.... .ومن الناحية الفقهية، يعتبر الانتحار، أي قتل النفس عمداً، كبيرة من كبائر الذنوب، وإثم من أعظم الآثام. وتعود بعض أسباب الانتحار إلى ما هو اجتماعي. فحسب عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم << سبب الانتحار هو تكسر الروابط الاجتماعية والانعزال، وقد تؤثر عوامل الضغوط النفسية وعدم القدرة على كبحها وخاصة الفقر والبطالة.>> وقد تكون هناك أسباب أخرى مثل ضعف الضمير وعدم القدرة على التكيف مع المجتمع. و يرى إريك فروم بأن الانتحار هو << الصراع بين الداخل والخارج وعدم الالتفات للعوامل الحضارية الاجتماعية. >> و الانتحار هو أيضا من باب التهور أو أزمة التفكير و التمييز أو من اجل التخلص من كابوس المجتمع و متطلباته . في هذا السياق يأتي الانتحار السياسي الذي أصبح منتشرا حتى يكاد أن يكون سلوكا لبعض ألأنظمة و بعض السياسيين والحكام والحركات في العالم، وخاصة في العالم العربي و الإسلامي ، حتى أصبح كثير من الناس لا ينظرون إلى مركبي الانتحار السياسي بعين الغضب والاستقباح .
فما هو الانتحار السياسي بالنسبة للنظام الحاكم ؟
1 ـ الإقدام على حرب دون احتساب النتائج و دون أخد موافقة الشعب و لنا مثل في النطام العراقي السابق حينما اجتاح الكويت ،فتسبب للشعب العراقي في سلسلة من المتاعب ، كانت بداية احتلال العراق من طرف أمريكا و حلفائها.
2 ـ الاستعانة بالأجنبي، ماليا أو عسكريا، هي انتحار سياسي لأنها مدخل لاستعمار الشعب وإذلاله و قتله،فلجوء ابن العلقمي الوزير العباسي سنة 656 هجريه 1258 م، إلى هولاكو قائد جيش التتار، لإسقاط الحكم العباسي تسبب للأمة الإسلامية في كارثة ظلت ترخي بظلالها على الأمة حتى اليوم.و هكذا صار اسم ابن العلقمي هو رمز الخيانة . وما فعلته المعارضة العراقية في الخارج إبان حكم صدام أحسين بالاستعانة بالغرب لإسقاط النظام، انتحار سياسي، حول العراق إلى مستنقع من الدماء، لن يجف طال الزمن أو قصر.
3 ـاللجوء إلى القروض الخارجية في غياب المسائلة و المحاسبة ، وتشجيع الطائفية و التستر على الفساد و على المفسدين، هو انتحار سياسي، لأنه يدخل البلاد في حرب داخلية تهلك البلاد و العباد، كما حصل لنظام جعفر النميري حينما أقدم على تقسيم جنوب السودان تلبية لبعض زعماء القبائل، مما أدى إلى حرب أهلية أدت إلى تقسيم السودان . و ما عرفه المغرب في بداية القرن العشرين، في عهد السلطان عبد العزيز، حيث لم يتمكن حكم البلاد و من التخلص من المسئولين عن تبذير مال الدولة والانغماس في حياة الترف، الشيء الذي أزم وضع خزينة الدولة . مما جعل عامة الناس يثورون في المدن والبوادي. وهذا ما زاد من حدة التوغل الاستعماري بالمغرب و مقدمة لاحتلاله. و هكذا فرض عليه نوع من الحماية، جعل أراضيه تحت سيطرة فرنسا وإسبانيا بحسب ما تقرر في مؤتمر الجزيرة الخضراء (أبريل 1906)،
4 ـ الكذب على الشعب وتصريف ديمقراطية الواجهة، هو كذلك انتحار سياسي لأنه يفك الارتباط بين النظام الحاكم و الشعب و بذلك تنطلق شرارة التمرد الفردي و الجماعي و لنا أمثلة كثيرة في تاريخ البشرية.
فهل النظام المغربي من الأنظمة التي تقبل على الانتحار السياسي في هذه الظرفية، كما هو الشأن، بالنسبة لنظام عبد الله صالح ونظام بشار الأسد ؟
أ ـ إن النظام المغربي أقدم على مجموعة من الأخطاء الني تعتبر من العوامل الأساسية للانتحار السياسي. فالكذب على الشعب مرتين هو انتحار سياسي، الكذبة الأولى هي حينما أعلن عن وجود حقول بترولية بمنطقة المغرب الشرقي.و مع مرور الوقت اكتشف الشعب بأنها كذبة، حيث لا وجود لتلك الحقول.و الكذبة الثانية و هي حينما قال في خطاب العرش الأخير يوم 30 يوليو بأن التصويت على الدستور كان بكثافة وبنزاهة وبحياد تام للسلطات، في حين أن الشعب على علم بحقيقة الأشياء. بل حتى بعض الحكومات الأجنبية التي ارتاحت للنتيجة،لا يهمها من المغرب ، إلا استغلال ثرواته وموارده البشرية ، وتلك طبيعتها مع المغرب منذ القرن السابع عشر، حيث تجد السلطنة في ظل الحكم الاستبدادي بوابة دائمة وممكنة لاستغلال الشعب المغربي اقتصاديا و سياسيا و ثقافيا.و الاعتماد على الرأسمال الأجنبي للاستثمار انتحار السياسي ،لأنه يضرب الرأسمال الوطني ويشجع على النهب و التحويلات غير الشرعية نحو الخارج ، والنتيجة هي ارتفاع نسبة الدين الخارجي و الدين الداخلي وتراجع المغرب على مستوى التنمية وعلى مستوى فرص الشغل ، و هي مؤشرات لا تزيد الوضع إلا تأزما واضطرابات اجتماعية غير محدودة .
ب ـ إن استمرار أبواق النظام المخزني في إخفاء سر نسبة المقاطعة التي وصلت حسب وزارة الداخلية إلى أزيد من 26 %، هو انتحار سياسي .لأن الحقيقة لما يطلع عليها الشعب تصبح بمثابة بارود الثورة .و التاريخ علمنا بأن الحقيقة هي التي تلتف حولها الجماهير من الانتفاضة ضد الفساد و الاستبداد.
ج ـ تمييع المشهد السياسي بالترويج لديمقراطية الواجهة وباستعمال المشعوذين السياسيين من أشباه الفقهاء و المتطفلين على الدين والذين يختبئون في أركان الزوايا هروبا من الجماهير هو انتحار سياسي ،لأن الجماهير تدرك معنى الديمقراطية الحقة، و أنها ستظل تناضل من أجلها رغم جوقة الإعلام المخزني ونفاق الأحزاب المتمخزنة و المخزنية . واستعمال جوقة البلطجية في التشويش على حركة 20 فبراير و التحرش بها للنيل منها ولإبعادها عن الجماهير الشعبية التي تزداد ارتباطا بها ،هو انتحار سياسي . إن تقوية النظام لجبهة <<برامكة القصر>> من مستشارين و أصهار الملك بتمكينهم من نهب مال الشعب ومن الانتشار في المؤسسات الإنتاجية والاستيلاء على الأراضي الفلاحية الخصبة عبر التراب الوطني، في الحوز وسوس و السراغنة و الصحراء، انتحار سياسي ويزيد من فقدانه لتوازنه . وأمام هذه المظاهر، فإن النظام المغربي يقدم على الانتحار السياسي. وبذلك لن يستطيع التحكم في القيادة و لن يستطيع الاستمرار، إن لم يستجيب إلى مطالب الشعب من خلال شباب حركة 20 فبراير و من خلال أحزاب تجمع اليسار الديمقراطي ومن خلال الهيئات المدنية التقدمية.