عاجل:

الناتو: نشر قوة حفظ سلام في الاراضي الفلسطينية

الأحد ٢٠ يونيو ٢٠١٠
٠٢:٢٢ بتوقيت غرينتش
قدم د.فلورانس غوب دراسة تحت عنوان «الناتو: قوة حفظ سلام في الأراضي المقدسة؟

قدم د.فلورانس غوب دراسة تحت عنوان «الناتو: قوة حفظ سلام في الأراضي المقدسة؟ دراسة جدوى» لصالح كليّة الناتو الدفاعية- روما، بتاريخ آذار 2010،وهي تتناول كافة الاحتمالات المتعلقة بارسال بعثة من قوات الناتو لحفظ الامن والسلام في الاراضي الفلسطينية، حيث يتناول الخلفية السياسية التي تقف خلف هذا السيناريو وتناقش كافة السيناريوهات المسكوت عنها في حال ارسال قوات الناتو متناولا لحقيقة التوزيع الديمغرافي السكاني في فلسطين وكيفية التعامل معه دون اغفال للجوانب السياسية التي وضعها المؤلف بعين الاعتبار، مشيرا إلى السوابق التاريخية التي اثبتت صعوبة تحقيق الامن بمجرد توقيع اتفاق سلام بين العرب والصهاينة.

 

مقدمة:

اقترح الرئيس كلينتون في سنة 2000 إرسال قوة دولية للإشراف على الأمن في أعقاب التوصل إلى اتفاقية سلام إسرائيلية فلسطينية. وبحسب توماس فريدمان، يمكن أن تكون تلك البعثة تابعة لحلف الناتو. وقد أعاد مستشار الأمن القومي جايمس جونز لدى الرئيس أوباما طرح الفكرة في سنة 2008. على أن اقتراح وجود قوة تابعة لحلف الناتو في الشرق الأوسط أثار جدلاً لا يزال تمحور إلى الآن حول نواح عدة، منها حسنات الطرح وسيئاته، وتوقيت تنفيذه، والجهات التي ستشارك في تنفيذه من الناتو، والشروط المسبقة المحتملة والعواقب. كما أثار جدلاً في ألمانيا حول ما إذا كان تسيير دوريات بالقرب من حدود إسرائيل سيتوافق مع ماضي ألمانيا. على أنه لم تُثَر أسئلة عملية مثل إمكانية التنفيذ وأهداف البعثة والمضامين الأمنية كما لو أن هذه القضايا ستُحَلّ من تلقاء نفسها متى عاد طرح اتفاقية السلام الضائع على الطاولة.

 

لكن الأمور ليست بهذه البساطة كما تعلمنا في أفغانستان، لأن تأمين منطقة عدائية محتملة، وفصل المعارضين وبناء دولة هي وظائف لا يزال الناتو يتعلم كيفية أدائها. وهذا التقرير يجادل بأن مثل هذه البعثة سيواجه صعاباً لكي ينجح ومن المرجح إلى حدّ بعيد أنه سيفشل. وعلى الرغم من أن الفكرة مغرية لمن يرغب في إثبات امتلاك الناتو قدرة فرض السلام في العالم، بيد أن الاحتمالات هي أن عاقبة هذا المسعى ستكون سيئة وستلطخ سمعة الناتو من وجوه عدة، والحلف ليس مهيئاً الآن للاضطلاع بهذا النوع من البعثات، وربما لن يكون مهيأ لذلك أبداً.

 

إن التحليل الدقيق لمضامين نشر قوة محتملة تابعة للناتو لإشاعة الاستقرار في فلسطين (مع استثناء المشاركة المحتملة في الجولان أو لبنان بما أن ذلك يتجاوز نطاق هذا التقرير)، بما أن قوة حفظ سلام لن تتمكن من تنفيذ هذه المهمة، يُعتبر عظيم الأهمية لإنجاح البعثة. وأي سوء فهم أو التوصل إلى استنتاجات خاطئة يمكن أن يتسبب في كارثة. لذلك، يسعى هذا التقرير لتسليط الضوء على إمكانية التنفيذ العملاني (ناهيك عن الأخطار التي تكتنف) مثل هذه البعثة، وما إذا كان تشكيلها متيسراً بعدد كافٍ من الجنود وضمن إطار زمني معقول، ويخلص في النهاية إلى استنتاج سلبي. وبناء على الافتراض بأن النجاح هو الخيار الوحيد إذا كان الناتو يريد المشاركة في حلّ صراع يزيد عمره على عمر الحلف نفسه، يركز هذا التحليل على إمكانية التنفيذ العملانية لا على الإمكانية السياسية. لكنّ سبب ذلك ليس التغاضي عن النواحي السياسية التي تعتبر جوهرية كما هو واضح. فالغاية من التقرير عملانية، ويتوافر عدد كبير من المنشورات التي تتحدث عن إطار العمل السياسي للسلام في الشرق الأوسط.

 

أفضل النتائج تتحقق بتحقق ثلاثة شروط مسبقة

جدد الأمين العام السابق لحلف الناتو «جاب دي هوب شيفر» في كانون الثاني 2009 التأكيد على شروط ثلاثة مسبقة يتعين تحققها قبل التفكير في اضطلاع الناتو بدور في فلسطين، وهي: التوصل إلى اتفاق سلام شامل، وموافقة الأطراف، والحصول على تفويض من الأمم المتحدة، ناهيك عن إجماع الدول الأعضاء في الحلف. وبرغم صحة ادعاء من يقول بأن إمكانية تحقق هذه الشروط في المستقبل القريب ضعيفة، يجدر بنا الانتقال بهذه المناقشة إلى مستوى أعلى ورسم صورة لوضع تتحقق فيه هذه الشروط ويوافق الناتو على الاضطلاع بهذه المهمة. كيف ستبدو هذه الصورة؟

 

بغرض إعداد هذا التحليل، اعتمدنا في هذا التقرير على الافتراض بأن اتفاقات أوسلو وخارطة الطريق نقطتا الانطلاق لحل الدولتين. ويتعين تثبيت العديد من النقاط المتحركة بدرجة معيّنة في هذا السيناريو شديد التعقيد لإتاحة إمكانية إعداد تحليل معقول.

وهذا يعني من الناحية العملية أن هذا التقرير يفترض (إلى جانب الشروط المسبقة التي أشار إليها الأمين العام السابق للناتو) وجود وضع تتحقق فيه النتائج التالية:

 

1- انسحاب «إسرائيل» بشكل كامل من الضفة الغربية ومن قطاع غزّة.

2- تجميد المستوطنات «الإسرائيلية» على الوضع التي هي عليه الآن مع بقائها في الوقت الحالي.

3- فتح الحدود بين الدولتين وتوافر إمكانية تنقل الناس بين إسرائيل وفلسطين متى شاؤوا ذلك. إن التحليل مبنيّ على هذا الإطار وهو يستثني العناصر المحتملة الأخرى (مثل تفكيك المستوطنات، والإغلاق الكامل للحدود، وعودة اللاجئين) لسبب بسيط وهو أن الاتفاقات السابقة إما أرجأت البتّ فيها أو آثرت عدم التطرّق إليها. وحل هذه القضايا لن يؤثر في دور الناتو، على أن إغفالها في هذا التقرير لا ينفي أهميتها.

 

إن هذا الإطار ليس قطعياً وليس التركيبة الأرجح بالضرورة، لكنه يرسي نقطة انطلاق تعتمد على أمور واقعية بدلاً من الاعتماد على أحلام اليقظة. بالاختصار سيكون هدف البعثة مراقبة اتفاقية سلام والإشراف في النهاية على إقامة دولة فلسطينية بجانب إسرائيل، يمكنها أن تتولّى رعاية أمنها الخاص. وقد استثنينا مرتفعات الجولان ومنطقة مزارع شبعا المتنازَع عليها من هذا التحليل.

 

سيناريو الحالة الأمثل، وسيناريو الحالة الأسوأ.

يمكن أن تواجه بعثة الناتو بفلسطين سيناريو الحالة الأمثل أو سيناريو الحالة الأسوأ، مع طائفة من الخيارات بينهما تتشابك مع نطاق إقليمي صغير وآخر كبير. يُفترض في سيناريو الحالة الأمثل وجود مناخ سلمي عقب التوصل إلى اتفاقية سلام، بما في ذلك تعايش بين الشعبين وامتناع الميليشيات الفلسطينية عن القيام بأعمال عنف، ومثل هذه البيئة المواتية ستُبرز تحديات ثانوية.

 

لكنّ سيناريو الحالة الأسوأ والأرجح أنه يتم تجاهله غالباً في المناقشات لأنه سنياريو يَفترض أن تؤدي اتفاقية سلام سابقة إلى استبعاده بفاعلية. وهذا افتراض خطير بالنظر إلى حقيقة أن مفاوضات السلام السابقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين انهارت عند نقاط حساسة على الرغم من الاتفاقات السابقة. يمكن أن يؤدي خروج العملية السلمية عن مسارها إلى نشوء بيئة شبه متشددة ومعادية، بما في ذلك إمكانية وقوع سلسلة تالية من الهجمات واندلاع انتفاضة ثالثة لا يمكن للناتو أن يتنحى جانباً ويجلس في مقاعد المتفرجين إذا كان جنوده منتشرين.

 

ذلك أن التورّط في أعمال معادية للفلسطينيين يمكن أن يؤثر بشكل خطير في قبول البعثة على الأرض. كما أن طبيعة الأرض بفلسطين يمكن أن تجعل بيئة شبه متشددة أشد خطراً بكثير من وجوه عدة. فالأمر لا يقتصر على حقيقة أن أغلب المناطق مأهول وذو كثافة سكانية مرتفعة، وأنه يوجد ظروف مثالية لتهريب الأسلحة والأموال وتجنيد المقاتلين. فالمنظمات المسلحة التي تملك خبرة واسعة في الحرب غير النظامية تعرف المنطقة، وتعرف كيفية القتال من داخلها على نحو أفضل بكثير من الناتو. لذلك، سيتعين أن تكون بعثة الناتو الواقعية مستعدة لكلا السيناريوهين (ولكل احتمال يتوسطهما) وإلاّ سيكون مصيرها الفشل.

 

الحدّ الأقصى إزاء الحدّ الأدنى

يتعين كذلك دراسة سيناريو الحالة الأسوأ والحالة الأمثل في سياق مُخططَين ميدانيين متباعدَين، يمثل الأول الحدّ الأقصى ويمثل الثاني الحدّ الأدنى. تقتصر مقاربة الحدّ الأدنى على الضفة الغربية وغزّة، في حين تضيف مقاربة الحدّ الأقصى «أرض إسرائيل» إلى الضفة وغزّة. من الطبيعي أن اختيار مقاربة الحدّ الأقصى سيقتضي نشر عدد أكبر من الجنود ويستتبع بروز وضع أشدّ تعقيداً. لكنّ هذه المقاربة بعيدة الاحتمال من الناحية السياسية لأن الحصول على موافقة إسرائيلية على مثل هذه البعثة سيكون أبعد من الخيال.

 

لكنّ المفارقة هي أن مقاربة الحدّ الأقصى ستضمن شبكة أمنية أشدّ إحكاماً، وخاصة في منع اندلاع اشتباكات محتملة بين قوات الأمن «الإسرائيلية» وعرب إسرائيل والفلسطينيين، وستسهم بالتالي في تحقيق أهداف البعثة. وعلى الرغم من أن مقاربة الحدّ الأقصى مستبعدة من الناحية السياسية، سنسهب في شرح الخيارين لأن الأمن الإسرائيلي والأمن الفلسطيني متشابكان إلى حدّ أنه يستحيل دراسة أحدهما في معزل عن الآخر.

بموجب النطاق الإقليمي للبعثة، فضلاً عن توافر البيئة المناسبة، ينبغي أن تكون مهمات قوات الناتو متنوعة. وبطريقة أو بأخرى، سيكون الوضع في أي من الجانبين معتمداً على الوضع في الجانب الآخر لسبب بسيط هو الأمن الإسرائيلي والأمن الفلسطيني كان ولا يزالان، مترابطين. وبناء على ذلك، ستتضمن مهمات البعثة في بيئة متساهلة وودّية، في مقاربة الحدّ الأدنى، الإشراف على انسحاب القوات الإسرائيلية، وتسيير دوريات على حدود فلسطين المُقامة حديثاً (شريط حدودي بطول 467 كلم)، والعمل كقوة شرطة، ومنع الحالات الطارئة، ومساعدة قوات الأمن الفلسطينية لضمان أمن المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية.

 

لذلك، يتضمن حل الحدّ الأدنى في حدّ ذاته بعض العناصر التي يألفها الناتو، مثل تسيير دوريات حدودية ومساعدة القوات المحلية. وهذا السيناريو يقتضي ضمناً أداء مهمات ضبط الأمن التي ستتضمن توفير غطاء أمني يمكن أن تبني «دولة فلسطين» في ظله هيكليتها الأمنية الخاصة وتحقق ذاتها كدولة. وسيقيم الناتو حكم القانون أو يحافظ عليه، ويحمي السكان، ويضمن حرّية الحركة، ويسرّح الوحدات شبه العسكرية المحتملة. وسيساعد على مراقبة الممرّ المحتمل إقامته بين الضفة الغربية وقطاع غزّة. وربما يشرف أيضاً على تفكيك المستوطنات الإسرائيلية إذا ما تقرر ذلك.

 

لكنّ حل الحدّ الأدنى سيتسبب في بيئة عدائية شبه متشددة في اندلاع تمرّد أو أية حالة متطرفة أخرى تعرّض السلم الذي استتبّ حديثاً للخطر. ومثل هذا السيناريو سيعرّض المهمات القائمة للخطر ويضيف كذلك مهمة مكافحة التمرّد إلى اللائحة. وفي حين يستطيع الناتو الاعتماد على تجاربه في كوسوفا وفي البوسنة والهرسك على صعيد فرض السلام بعد انتهاء الصراع، لكنه لا يملك خبرة في التعامل مع اندلاع عنف محتمل بين الطرفين اللذَين يُفترض منه الفصل بينهما، أي الإسرائيليين والفلسطينيين في هذه الحالة أو بين فريقين فلسطينيَّين.

 

وما من شك في أن الناتو شهد حالات عنف في كوسوفا بين الألبان والصرب، لكنّ القوة واتساع العنف النسبي لا يقارن بالوضع في إسرائيل/ فلسطين. وعلى الرغم من وجود أوجه شبه بنيوية مع البوسنة، لم يسبق أن قام الناتو بإجراءات صارمة لوقف أعمال العنف بين أطراف متحاربة وبالتالي ليس لديه خبرة في التعامل مع مثل هذا الوضع. وعلى الرغم من أن احتمال التعرض للسحق بين مجموعتين متخاصمتين يشكل أسوأ سيناريو ممكن، ينبغي أخذ ذلك في الاعتبار والعمل ضدّ اختيار عمل الناتو كمصدر قوة في هذا الوضع.

 

في حالة مقاربة الحدّ الأقصى وتوافر بيئة متساهلة، سيقتضي الدور الموكل إلى الناتو في الجانب الإسرائيلي تسيير دوريات مشتركة، بالإضافة إلى المهمات التي تقدم ذكرها، كإجراء أمني مرئي، وربما الضمان المشترك لأمن المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية.

 

لكنّ الوضع يمكن أن يأخذ منحى خطيراً في بيئة شبه متشددة. ينبغي للمرء ألاّ يفترض ببساطة أن معاهدة سلام يمكن أن توقف العنف بادئ ذي بدء. بل على العكس، لأن اتفاقات أوسلو على سبيل المثال لم تحُز على دعم شامل من الطرفين الفلسطيني أو الإسرائيلي، وتواصلت الهجمات على الإسرائيليين بعد التوقيع على الاتفاقات في سنة 1993 وأثناء المفاوضات التي كانت جارية. ويبدو الوضع اليوم، الذي أضحى أبعد ما يكون عن التوصل إلى اتفاقات مثل اتفاقات أوسلو، كئيباً حيث صرّح 38.9 في المئة من الإسرائيليين و32.2 في المئة من الفلسطينيين بأنهم يعارضون حل الدولتين، وهو ما قد يتسبب في عنف سياسي متى تم تنفيذ هذا الحل.

 

ترافقت الهجمات الانتحارية السابقة في إسرائيل مع تأرجح المزاج السياسي وأدت إلى انهيار محادثات السلام في مرات عديدة. ولا يمكن استبعاد أرجحية وقوعها لأسباب عدة، منها تجربة الانتفاضة الثانية التي استُخدمت فيها الهجمات الانتحارية كأداة على نطاق واسع، حيث وقع 140 هجوماً انتحارياً بين عامي 2000 و2007 وأدت إلى مقتل 542 شخصاً في إسرائيل وحدها وإلى شلّ العملية السلمية بدرجة خطيرة، وكان منفذوها من عرب إسرائيل المقيمين داخل إسرائيل فضلاً عن الفلسطينيين. وبالتالي، لا يمكن حتى اعتبار الإغلاق الكامل ضمانة أمنية تحول دون وقوع هجمات انتحارية.

 

أضف إلى ذلك أن الحدود المفتوحة كما كان الحال قبل الانتفاضة الثانية، أتاحت عمل أكثر من 150,000 فلسطيني يومياً في إسرائيل وفي المستوطنات. وعلى الرغم من أن هذا العدد انخفض إلى 10,000 عامل، يُتوقع أن يزيد بعد التوصل إلى اتفاقية سلام من أجل المساهمة في تحسين الأوضاع الاقتصادية في كل من فلسطين وإسرائيل ويدعم العلاقات السلمية بين الطرفين. كان الاقتصادان ولا يزالان متشابكين بقوة. لكنّ هذا الوضع سيزيد انكشاف إسرائيل المحتمل. ذلك أن الحركة جيئة وذهاباً، والتقلب المحتمل للمزاج السياسي، مثل التصورات السلبية حيال اتفاقية السلام، وخيبة الأمل من التطورات منذ العملية السلمية...إلخ، أو الاعتراض العام على التسوية في المقام الأول سيكون له أثر واضح في الأمن داخل إسرائيل وليس داخل الأراضي الفلسطينية فقط.

 

والأهم من ذلك أن الهجمات الانتحارية المتكررة أثرت في الماضي بشكل بعيد في الرأي العام بإسرائيل وأوصلت العملية السلمية إلى الجمود التام من الناحية الفعلية. لذلك سيحتل منع وقوع هذه الهجمات أهمية بالغة في أجندة الناتو في إطار عمل مثل هذه البعثة. وبالتالي فنحن أقرب إلى التوصية بمقاربة حدّ أقصى أشمل وأوسع لأنها ستمنح الناتو الفرص للرد على هذه الهجمات بفعالية أكبر وللعمل على نحو موثوق كوسيط حيادي بين الطرفين.

 

إن المنطقة المحتملة لبعثة الناتو معقدة للغاية. سيتعيّن على البعثة من الناحية الفعلية تغطية منطقتين وربما ثلاث مناطق شديدة التباعد: غزّة والضفة الغربية في حالة سيناريو الحدّ الأدنى، وإسرائيل، بالإضافة إلى ما تقدم، في حالة سيناريو الحدّ الأقصى. تتطلب هذه المناطق الثلاث تخطيطاً مختلفاً للغاية.

 

ذلك أن الحركة الحرّة للأشخاص ستسهم في تعقيد الوضع. باختصار، ترجع هذه التعقيدات المتعلقة بالأرض إلى:

1- الاختلاط بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، وبين العرب واليهود، على كامل رقعة الأراضي.

2- مخيمات اللاجئين الكبيرة.

3- المدن الكبيرة.

قبل كل شيء، يبلغ عدد سكان قطاع غزّة 1.4 مليون فلسطيني، ويعيش ما أزيد عن ثلثهم، أي 500,000، في مخيمات اللاجئين. ومخيمات اللاجئين الخمس الأكبر لوحدها تساوي حجم مدن أوروبية مثل كالايس أو إكسيتر، وهي تتسع لما بين 60,000 و110,000 نسمة. وتعتبر الكثافة السكانية هناك إحدى أعلى الكثافات السكانية في العالم حيث يبلغ حجم غزّة ضعف حجم إمارة ليشتنشتاين ويبلغ عدد سكان القطاع أربعين ضعف عدد سكان الإمارة.

 

ونشير إلى أنه لم يعد هناك مستوطنات إسرائيلية في غزّة. ومن ناحية أخرى، تضمّ الضفة 2.4 مليون فلسطيني، ويعيش نحو من 8 في المئة منهم (190,000 نسمة) في مخيمات بحجم مدن صغيرة، حيث تضمّ ما يصل إلى 23,600 نسمة. ويعيش 300,000 مستوطن إسرائيلي في 150 مستوطنة موزَّعة على كامل الضفة الغربية حيث تضمّ 12.5 في المئة من إجمالي عدد السكان في الضفة الغربية. من بين هذه المستوطنات، يوجد خمس مستوطنات تأوي أكثر من 10,000 مستوطن.

 

كان المستوطنون في الماضي عرضة لهجمات الفلسطينيين، وكان المستوطنون يشنون هجمات على الفلسطينيين، حيث وقع في سنة 2008 لوحدها، 290 حادثة عنف مرتبطة بالمستوطنين بالضفة الغربية. وبناء على ذلك، تبرز ناحيتان متعلقتان بالأمن نتيجة لوجود المستوطنين الإسرائيليين بالضفة الغربية على افتراض عدم تفكيك المستوطنات على الفور ضمن إطار عمل اتفاقية سلام.

 

1- الناحية الأولى هي أن تأمين المستوطنات الإسرائيلية سيحتل أولوية قصوى من أجل عدم التأثير في الرأي العام الإسرائيلي حيال اتفاقية السلام.

2- . الناحية الثانية هي ضرورة منع المتطرفين الإسرائيليين من شنّ هجمات على الفلسطينيين.

 

لا يقف اختلاط الشعبين عند هذا الحدّ. فإسرائيل التي تعتبر الأكبر من بين المناطق الثلاث التي يلزم تغطيتها، ينتشر فيها السكان العرب. يوجد في إسرائيل 7.2 مليون نسمة، منهم 1.45 مليون نسمة، أي 20 في المئة من السكان، من أصل عربي فلسطيني. ويتجمع 52 في المئة من هؤلاء في المناطق الجبلية الشمالية في إسرائيل، في حين يعيش الباقون في مناطق أخرى في شتى أنحاء إسرائيل. وعلى سبيل المثال، تضم الناصرة نحواً من 40,000 عربي و25,000 إسرائيلي، كما يوجد حضور كبير للعرب في حيفا أيضاً. يتبيّن مما تقدم أن سكان إسرائيل، كما سكان الضفة الغربية، متداخلون للغاية ويصعب الفصل بينهم. والمنطقة الوحيدة التي تعتبر متجانسة بدرجة كبيرة على صعيد السكان هي غزّة التي تمثل على أية حال هواجس أمنية أخرى.

 

إن هذا الوجود الكبير لمخيمات اللاجئين الكبيرة والمعمّرة في غزّة وكذلك في الضفة الغربية، وإن بدرجة أقل، يستحقّ عناية خاصة. ذلك أنه بالنظر إلى هشاشة بنية مخيمات اللاجئين وطبيعتها المؤقتة بالضرورة، فهي تتصدر الهواجس على العموم عندما يشيع العنف والجريمة وغياب القانون. فعندما لا تعمل الدولة بشكل لائق، يمكن أن تتحول مخيمات اللاجئين بسهولة إلى ملاذات آمنة للنشاط الإجرامي وتخزين الأسلحة وتجنيد جماعات مسلحة. ويمكن لهذه الجماعات الاختلاط بسهولة مع سكان المخيم، مما يجعل الفصل بين الطرفين أمراً صعباً.

 

وهذا يصح على الخصوص في مخيمات الفلسطينيين التي تتميز بضخامة الحجم وبأنها تشكل قوام الحياة بالنسبة إلى 18 في المئة من الفلسطينيين حالياً. كما أن تدنّي مستوى المعيشة المقترن بالبطالة، حيث تبلغ نسبة البطالة 42 في المئة من سكان غزة، تجعل مخيمات اللاجئين مكاناً مثالياً للتجنيد بالنسبة إلى الجماعات المتطرّفة التي يمكن أن تسعى لحرف العملية السلمية عن مسارها. لذلك، تشكل هذه المخيمات مصدراً محتملاً للقلق بالنسبة إلى أية قوة أمنية عاملة.

 

ومما يزيد من تفاقم المشكلة، الكثافة السكانية المرتفعة جداً في غزة والمقترنة بمساكن مؤلفة من طابق واحد، تجعل حركة قوات الأمن داخل الشوارع الضيقة والملتوية أمراً صعباً، أضف إلى هذا الواقع أن الجهل بطبيعة المكان سيجعل من الصعب على الغرباء التمييز بين أفراد الجماعات المسلحة المحتملين والسكان المحليين.

*مركز الزيتونة للدراسات

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية ومقر خاتم الأنبياء المركزي: سنذيق العدو مرارة المزيد من الهزائم


الرئيس بزشكيان يقرع جرس بدء العام الدراسي الجديد


رئيس مجلس الشورى الإيراني "محمد باقر قاليباف": إن أمريكا تستعرض ظاهريًا هيمنتها وقوتها باعتبارها القوة المتفوقة لكنها في الواقع شديدة الهشاشة ومعرّضة للخطر


قائد الشرطة الايرانية العميد رادان: سنردّ ردًا حاسمًا وموجعًا على أي أوهام باطلة للعدو


الدفاع الروسية: تدمير 244 طائرة مسيرة أوكرانية فوق مناطق في روسيا


مصادر فلسطينية: 9 مصابين بنيران قوات الاحتلال في مدينة خانيونس ومخيم البريج بقطاع غزة


الناطق باسم حركة حماس حازم قاسم: ندين ونستنكر قرار الإدارة الأمريكية الرافض لمنح تأشيرات دخول للوفد الفلسطيني المتوجه إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة للعام الثاني على التوالي


الدفاع الروسية: استهدفنا مركزا لوجستيا في مقاطعة كييف حيث تخزن الإمدادات العسكرية


الخارجية الإيرانية تدين جرائم الكيان الصهيوني اللاإنسانية ضد الشعب الفلسطيني


إسقاط مسيرة أمريكية من طراز MQ-1 فوق مضيق هرمز


الأكثر مشاهدة

اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار


السفارة الأمريكية في العراق: نظرا للتوترات في المنطقة هناك احتمال لحدوث تصعيد غير متوقع


سفارة واشنطن في العراق: على المواطنين الأمريكيين أن يكونوا على دراية باحتمال إغلاق المجال الجوي وإلغاء الرحلات


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدة كفر تبنيت جنوبي لبنان