29/3/2011صالح خريسات darafak@yahoo.com

الثلاثاء ٢٩ مارس ٢٠١١
٠٧:٤١ بتوقيت غرينتش
محاكمة الزعماء المخلوعين..! الفكرة الوحيدة التي تسيطر الآن على أذهان الزعماء العرب، هي فكرة محاكمتهم وملاحقتهم بتهم عديدة، وأن قرار الحكم لا محالة هو الموت. ويسعى كل زعيم إلى التخلص من السلطة بالطريقة التي تعفيه من المحاكمة أمام الشعب ويجنب أفراد أسرته المصير نفسه. ويحفل التاريخ الحديث بتطورات مشابهة وقعت في بلدان أخرى، مع اختلاف في الزمان والمكان، لكنها تستحق أن تكون عبرة لمن يعتبر. ففي العام 1985 خرج الآلاف من السودانيين إلى الشوارع مطالبين برحيل جعفر نميري الذي كان في الطائرة عائداً إلى بلاده فغير وجهته إلى القاهرة، وحل بها لاجئاً سياسياً.

محاكمة الزعماء المخلوعين..!

الفكرة الوحيدة التي تسيطر الآن على أذهان الزعماء العرب، هي فكرة محاكمتهم وملاحقتهم بتهم عديدة، وأن قرار الحكم لا محالة هو الموت. ويسعى كل زعيم إلى التخلص من السلطة بالطريقة التي تعفيه من المحاكمة أمام الشعب ويجنب أفراد أسرته المصير نفسه. ويحفل التاريخ الحديث بتطورات مشابهة وقعت في بلدان أخرى، مع اختلاف في الزمان والمكان، لكنها تستحق أن تكون عبرة لمن يعتبر. ففي العام 1985 خرج الآلاف من السودانيين إلى الشوارع مطالبين برحيل جعفر نميري الذي كان في الطائرة عائداً إلى بلاده فغير وجهته إلى القاهرة، وحل بها لاجئاً سياسياً. وكانت قصة شاه إيران من أشهر قصص التاريخ المعاصر، التي تؤكد إرادة الشعوب وقدرتها على الثورة في وجه الطغاة والمستبدين. وأقرب مثال على ما يجري الآن في كثير من البلاد العربية، هو ما جرى في رومانيا في العام 1989 حين ثار الشعب الروماني ضد الديكتاتور نيكولاي شاوسيسكو الذي حكم البلاد بقيض بوليسية مدة واحد وعشرين عاماً. واتصف يجنون العظمة وكثرة الألقاب التي منحها لنفسه، فهو القائد العظيم والملهم ودانوب الفكر والعبقري.. وكان لا يقبل أي انتقاد ولا يبدي أية رحمة بمعارضيه، وزاد من ذلك وجود حفنة من المنافقين الذين أحاطوا به من كل جانب، وأوهموه أنه منقذ الشعب وأن عصره هو العصر الذهبي. وكانت نهايته الموت له ولزوجته.

من الطبيعي الآن أن يكون محور تفكير الزعماء هو هذا المصير، والسؤال الذي يمكن أن نوجهه لهؤلاء الزعما قبل صدور حكم الشعب هو أفضل طريقة للموت يفضلها كل زعيم منهم، كي نساعدهم في تنفيذ رغباتهم كما ساعدوا على تنفيذ رغبات شعوبهم؟!

وحسب ما نجده في كتب السياسة وتاريخ القادة والزعماء العظماء، فإن جلهم يفضلون الموت رمياً بالرصاص، لكن الشعوب المقهورة والناقمة، غالباً ما تباعد بين أمثال هؤلاء القتلة وبين هذه الرغبة وإمكانية تحقيقها خوفاً من انعكاساتها المعنوية على شخص الزعماء بعد تنفيذ حكم الموت ويتحولوا إلى ابطال تاريخيين.

والفرق بين الإعدام شنقاً حتى الموت، أو رمياً بالرصاص، أن الشنق فيه إهانة للمجرم وإساءة لكل معاني الشرف والرجولة، وهو جزء من العقوبة النفسية والاجتماعية التي ثبتها القانون ضد المجرمين.

لكن الإعدام رمياً بالرصاص يشبه موت الشجعان والأبطال الذين يقاتلون في الحروب المشرفة دفاعاً عن الوطن وفي سبيل أهداف الحرية والاستقلال، ضد أشكال الظلم والطغيان، والاستبداد السياسي.

ويحرص الشرفاء والنبلاء والأحرار على التشبه بهؤلاء الفرسان والأبطال في الموت، وهي وسيلة لا تترك للضحية فرصة للشعور بالإهانة والذل، وتعفيه من العذاب الأليم الذي يستغرقه الشنق حتى تضغط الفقرات وتلفظ الضحية أنفاسها. فما أن يطلق الرصاص حتى تزهق روحه ويلتحق فوراً بعالم الذين حكم عليهم بالموت.

وقد وجدنا في التاريخ السياسي، أن القادة العظام والزعماء الكبار، كانوا يحرصون على ارتداء الزي العسكري أثناء عملية تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص. وأن الجندي أو الضابط الذي يتولى مسؤولية الحكم وإطلاق النار، كان يؤدي التحية للقائد العظيم قبل أن ينفذ الأمر. ويبدو أن هذه الحركة تعيد للشخصية إعتبارها في اللحظات الأخيرة ما قبل الموت.

وكان السؤال الصعب بالنسبة إلى علماء النفس والخبراء النفسانيين، والأطباء هو ما الذي يمكن أن يفكر به الإنسان، وهو يدخل حياً تجربة الموت الأبدي؟ وبالتأكيد يختلف الوضع هنا عن الإنسان الذي يموت ميتة طبيعية بعد سن الشيخوخة، أو الذي يموت ميتة الفجأة بسبب حادث عارض، فالله هنا هو الذي يحيي ويميت ولا اعتراض على أمره.

وبالنسبة للزعماء والقادة العرب المخلوعين، فنحن أمام شخصيات تاريخية عجيبة، تصلح أن تكون مادة حاضرة في أذهان الشعوب والقادة على حد سواء، .. فما الذي يمكن أن يكون قد فكر فيه هؤلاء وهو يغادرون الأرض بهذه الطريقة المشينة؟!

وفي تصوري أن الروساء العرب، يعترفون الآن بينهم وبين أنفسهم بأنهم كانوا يمتلكون رؤية خاطئة للعالم، وأنهم لم يكنوا يعرفون العالم كما هو ولا يفهمونه، وبالتالي اقترفوا أخطاء جسيمة بحق شعوبهم المستضعفة..!

فعندما توصلوا بالسلطة، أحاطوا أنفسهم بالمنافقين وغير الموهوبين، وتخلصوا من القادة الكبار والسياسيين، وتلك مشكلة أدت إلى أن يكونوا بعيدين عن الواقع من الناحية السياسية والإجتماعية، وإن كل من حولهم كانوا يقولون لهم ما يريدون أن يسمعوه وليس ما ينبغي لهم أن يسمعوه.

إن الدولة كلها تنفذ أوامرهم دون مراجعة أو مناقشة، وإن اهتمام أجهزة الأمن وعملها كان مركزاً فقط على أمنهم هم وليس على ما يدور في العالم، وإنه كان همهم أن يحمموا أنفسهم من المواطنين وليس أن يحموا الوطن من الأعداء. إلا أن التنفيذ الحرفي للقرارات دون مراجعة أو مناقشة قد أضر بهم، وإن تفرغ أجهزة الإستخبارات للأمن الداخلي أضعف الدولة في تكريس إمكاناتها لأمن النظام، فبدلاً من إرساء قواعد الديمقراطية وتعزيز الأمن السياسي ضاعت الإمكانات المادية والمعنوية في القنوات التي تحافظ على بقاء هؤلاء الرؤساء في السلطة..

وبالمقابل كانت حقيقة العالم وما يجري فيه من متغيرات وتحولات بعيدة عنهم، وهم يتخذون قرارتهم بناء على معلومات وهمية صنعتها تصورات المنافقين المحدودة الفهم، وليس لهم أي علاقة بما يجري حولهم لأنهم في الواقع يرون ما حولهم على غير حقيقته.

وبالتأكيد، فإن رؤساء الدول العربية لم يعرفوا أسلوباً سياسياً لصناعة القرار، ولم يحتكموا إلى قوانين أو مؤسسات مرجعية، بيد أنهم كانوا محاطاين بفريق من المساعدين على درجة عالية من النفاق الذليل والجهل بالعالم الخارجي، وفقدان الثقافة السياسية.

كل ذلك جعل هؤلاء الرؤساء يخطئون في اتخاذ قراراتهم واختيار رجالاتهم، فيستبعدون الناصح الأمين الذي لا يريد إلا الإصلاح ويشكون في ولائه، ويقربون منهم من ليس يصدقهم القول. ولما اختلط الأمر عليهم واشتدت أزمة الثقة، توجهوا إلى أقرب الناس إليهم وأدانوهم. لكنهم أيضاً اختلفوا معهم وتفرقوا.

ويتصدر العرب الآن كل دول العالم في حجم المعارضة، ولا توجد دولة غربية، إلا وفيها أحد أقطاب معترضة لنظام عربي فاشل، ومعظمهم ممن كانوا يجلسون في الصفوف الأولى من مقاعد السلطة. وجميعهم بالتأكيد وصلوا برضا هؤلاء الزعماء وبتزكية منهم، وكانوا أهل دراية بالنفاق الذي يكشف ظاهرة لها قوتها الهائلة، التي تعمي العين عن رؤية الحقيقة في الحكم. وعندما كانت خيرات العرب للعرب كان جل هؤلاء من المتعاونين في السلطة يتسابقون في الجلوس إلى جوار السيد الزعماء، أو خلفه. ولطالما دخلوا في صراع مع بعضهم من أجل التقرب إليه، فلما وقع المحظور، حملوا ما خف حمله وغلا ثمنه، وانطلقوا يؤنبون العالم على السادة رؤسائهم ويحشدون لهم المعارضة ويستقدمون أصحابهم أعداء الأمس أصدقاء اليوم.

ولم يفعلوا ذلك حباً في العدالة وانتصاراً لإرادة الشعب، وإنما خوفاً من العقاب الذي ينتظرهم بعد أن انكشفوا للشعب على حقيقتهم، فأرادوا إظهار البراءة والتماس الطهر لأنفسهم بالمعارضة الزائفة بعد أن فقد النظام قوته وسيطرته وانشغل بالثورة العارمة. وبالنتيجة، فإن السادة الرؤساء العرب ارتبطوا سنوات حكمهم بنمط واحد في صناعة القرار السياسي، وإن هذا النمط كان يوقعهم دائماً في خطأ سوء تقدير قوة الخصم وقدراته، ويحمل معه نتائج سلبية على شكل كوارث سياسية واقتصادية واجتماعية.

ومعلوم أن أي نظام لصناعة القرار يعتمد في نجاحه على الحذر دون تطرف في تحديد الأهداف وتجنب القرارات التي تحتمل المخاطر، والمعرفة الكافية بأوضاع الشعب وتركيبته الاجتماعية. وهذه الوسائل لم تكن تتوافر للرؤساء بنمط قيادتهم وطبيعة طاقم مساعديهم.

نعم لقد توصل الزعماء العرب بالسلطة بطريقة لم تكن مناسبة، وأنهم لم يكونوا وقتئذ يمتلكون التجربة والخبرة في السياسة وممارسة الحكم في بلد له امكاناته وقدراته. ولكنهم كانوا يحلمون بالعظمة، ويتصرفون تماماً كما تروي كتب التاريخ عن القادة العظماء،.. لقد حاولوا تقليدهم في كل شيء، في قصورهم المتعددة وصورهم المعلقة وتماثيلهم المنحوتة.. إن كل واحد منهم يرى نفسه الفارس العربي والبطل الوحيد.. بيد أنهم اكتشفوا الآن، وبعد فوات الأوان، أنهم لم يكونوا يسمعون ممن حولهم من المتملقين سوى ما يرضيهم وليس ما ينفعهم، وما دامت تلك القاعدة هي وسيلة الوصول إلى المنصب، فلسوف يمنع هؤلاء عن الحاكم الرأي الصادق والمشورة الأمنية. وهو ما يحدث في كل الأنظمة العربية غير الديمقراطية..

إنهم يعيشون في قصورهم مخدرين العقل بألقاب الزعامة والعظمة، لكن هذه الألقاب جميعها، تسقط في اللحظة التي تنطلق بها حناجر الشباب " الشعب يريد اسقاط النظام "، ويسقط كل الرجال من حولهم، وهذا هو السر في المشهد الأخير في الوطن العربي.

وباختصار، لقد أتعب الزعماء العرب العالم وأتعبوا من تبعهم وأتعبوا أنفسهم.

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تداهم أحد المنازل خلال اقتحام بلدة طمون جنوب طوباس


وكالة الأنباء المركزية الكورية: بيونغ يانغ تختبر نظام سلاح قتالي جديد


رويترز : الجزائر تعلن إسقاط طائرة مسيرة دخلت مجالها الجوي الشرقي قادمة من ليبيا


مصادر سورية: قوات الاحتلال الإسرائيلي تقصف بقذائف المدفعية أطراف قريتي عابدين وجملة في ريف درعا الغربي


اللواء إيزدي: استهدفنا حاملة طائرات أمريكية بصواريخنا


مصادر يمنية: استشهاد 6 مواطنين بينهم طفلان وامرأة وإصابة ثمانية آخرون بينهم طفل وامرأة إثر غارات سعودية على المخا


حماس: ادعاءات الاحتلال بشأن خرق وقف إطلاق النار باطلة وتبرير لتصعيد عدوانه


مصادر يمنية: استشهاد وإصابة عدد من المواطنين بينهم نساء وأطفال إثر غارات سعودية على المخا


مصادر سورية: قوات الاحتلال الاسرائيلي تطلق قنابل مضيئة في سماء قرية عابدين بريف درعا الغربي


رويترز: تعليق الرحلات الجوية في مطار الرياض