تتعرض تركيا منذ مذبحة أسطول الحرية لحملة تشويه وكراهية وتحريض ولضغوط مكثفة يشترك فيها الحلف الاستعماري الأميركي الغربي الإسرائيلي مع أذنابه في الدول العربية.
يشير تحرك اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، بعدما جرى في الكونغرس مؤخرا ، إلى أن تركيا باتت في موقع متقدم على لائحة الأهداف ، بسبب موقفها المعلن من القضية الفلسطينية و تصميمها على معاقبة إسرائيل وردع عدوانيتها وبطشها بالمدنيين الفلسطينيين وبالمتضامنين معهم كما حصل في مذبحة أسطول الحرية .
فقد قامت جماعات أميركية من الحزبين الجمهوري والديمقراطي ترتبط بالإيباك بالعمل لوضع تركيا في لائحة الدول المهددة بتدابير عدائية اقتصادية وسياسية يجري التلويح بها، لثني القيادة التركية عن مواصلة السير في توجهاتها الجديدة .
وعلى الرغم من كون تركيا و منذ البداية حتى اليوم ، حرصت على وضع مواقفها في نطاق التزامها بمفهوم السلام العادل والشامل الذي ترفضه إسرائيل، و المفارقة أنه سبق لمسؤولين أميركيين كبار بمن فيهم الرئيس باراك أوباما أن أقروا سرا وعلانية بكون المشكلة التي تحول دون التقدم للتفاوض حول ذلك السلام ، و على أساس مرجعياته ، مشكلة إسرائيلية بالكامل وذلك ما قالته بصوت مرتفع في مؤتمر الإيباك الأخير وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في دعوتها لتغيير الموقف الإسرائيلي.
الموضوع الكردي عاد مجددا ليشكل مساحة تدخل أميركية إسرائيلية في الشأن التركي الداخلي عبر تجنيد قيادة المنطقة الوسطى لمسلحي حزب العمال الكردستاني في تنفيذ عمليات تخريبية كالتي وقعت مؤخرا، وكذلك تتداول دوائر دبلوماسية وإعلامية عديدة في الغرب وفي المنطقة معلومات عن تنشيط خطوط اتصال أميركية وإسرائيلية بمجموعات تركية معارضة بعضها معروف باتجاهه الإرهابي وبضباط وقادة عسكريين شكلوا تقليديا مجموعة الضغط الأميركية والإسرائيلية في الجيش التركي، التي يواجه بعض رموزها اتهامات بالتورط في المحاولة الانقلابية التي كشفت قبل أشهر.
أما الصدى الإعلامي لهذه الحملة فتتولى نشره أبواق عربية تابعة لأدوات الحلف الغربي الإسرائيلي و هو يشي بوجهة التخريب المضمرة في تركيا، ومن الواضح أن خطة قد دبرت لتشويه صورة الموقف التركي من الموضوع الفلسطيني مؤخرا حيث تتبنى الدوائر التابعة للغرب في المنطقة العربية نشر معلومات وتقارير تنطلق من الرواية الإسرائيلية عن مجزرة أسطول الحرية وتشن تعبئة منظمة لتكوين صورة تضع الموقف التركي في خانة الاتهام سواء عبر إرجاع التضامن مع فلسطين إلى تهمة المزايدة السياسية والاستثمار السياسي أو عبر الكلام عن وجود أهداف حزبية وعقائدية خلف الحراك التركي.
تركيا تثبت بالوقائع صحة منطلقاتها المبنية على مصالحها الاقتصادية والسياسية الإقليمية فهي صادقة و جادة في سعيها إلى بيئة إقليمية مستقرة صالحة للتجارة والاستثمار، وقد تشكلت لديها القناعة الراسخة بعد تجربة الوساطة في التفاوض غير المباشر بين سوريا وإسرائيل، وبعد حرب غزة بأن إسرائيل تمثل الخطر الأساسي على ذلك الاستقرار ، وهو ما دفعها إلى اتخاذ مبادرات سياسية نزيهة، والأكيد أن رسوخ هذا الموقف التركي يشير إلى توقع المزيد من العناد والإصرار، لكن بات من الملح التصدي للحملة العدائية و ترسيخ ثقافة التضامن مع تركيا و العمل الحثيث لتحصين مكانتها وموقعها، ولفضح الأقلام و الأصوات المأجورة في الإعلام العربي التي تنتقص من قيمة الموقف التركي ومن أهميته، بعد ما انتقلت تركيا خلال عشر سنوات وبالتراكم الهادئ والمتقن، من كونها الظهير الأول لإسرائيل إقليميا إلى موقع النصير لفلسطين ولشعبها وللحقوق العربية ، فالمشهد البائس الذي يسود إعلام الاعتلال العربي في التعامل مع تركيا يذكر بما كانت عليه الحال غداة انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني الراحل وبعد إسقاطها لنظام الشاه الذي كان قوة الدعم الرئيسية لإسرائيل اقتصاديا بالنفط وأمنيا بالسافاك وعسكريا بسادس أقوى قوة عسكرية في العالم لقبت بشرطي الخليج الفارسي.
عندما انتصرت الثورة الإيرانية تصدى لها عرب أميركا وأقحموا العراق بأموالهم في حرب ضدها دامت ثماني سنوات، لكن مشكلتهم اليوم أن أسنان سيدهم الأميركي قد تكسرت، وكذلك مخالب حليفهم الإسرائيلي، والدولة العربية المجاورة لتركيا هي سوريا التي كان لرئيسها الدكتور بشار الأسد شرف السبق التاريخي في إرساء مرتكزات التحول التركي الثمين، و هو ساهم في تحقيق هذا التغيير الاستراتيجي ، في أحلك الظروف وأشدها قسوة.
عرب الاعتلال لا يملكون إلا القدرة على الصراخ والعويل وإثارة الضجيج المريض أمام تحول أذهلهم وصدمهم ورسم سقفا يكشف أمام الشارع العربي حقيقة خياراتهم، ويثبت بكل وضوح أن العلاقة مع أميركا وعضوية الحلف الأطلسي وكذلك تبادل العلاقات مع إسرائيل لا تمنع إمكانية اتخاذ مواقف ضد عدوانية الصهاينة وإجرامهم، إذا توفرت الإرادة السياسية والقليل القليل من الكرامة الوطنية.
*غالب قنديل- شام برس