وبالرغم من أن الاتفاقية لم تنجح حتى الآن في تحقيق الحلم الفلسطيني بانسحاب المحتل ونيل الاستقلال رغم الجهود المبذولة منذ توقيعها وحتى الآن، إلا أن السنوات العشرين الماضية أثبتت تراجعا في المواقف والسياسة العربية بسبب سياسة كثير من الأنظمة العربية وتطلعها لمصالحها الخاصة وتأثرها بعلاقاتها السياسية مع الولايات المتحدة الأميركية التي تملي مواقفها على تلك الأنظمة، ويجب اتباعها وخاصة بعد حرب الخليج "الفارسي" الثانية ضد العراق وحرب الخليج "الفارسي" الثالثة حيث تم احتلال العراق، وأدى هذا إلى ضعف السياسة العربية وتأثيرها في المحافل الدولية، وهذا أمر يلمسه كل متابع لتطورات السياسة العربية، مما يؤكد اليوم أن وجود الكوادر الوطنية الفلسطينية داخل الوطن الفلسطيني وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية التي أرست مجموعة كبيرة من القواعد الأساسية لقيام الدولة، رغم ما انتاب المسيرة من خلل سياسي وإداري ومالي، هو أفضل من بقائها خارج الوطن تلاطمها الأمواج العربية والدولية رغم كل الإحباط الذي واجهه الشعب الفلسطيني حتى الآن من إملاء وخذلان السياسة الأميركية الإسرائيلية.
وأظهر الجانب الإسرائيلي تراجعا متعمدا في تطبيق ما ورد من بنود في اتفاقية أوسلو حيث كانت البداية عندما تم اغتيال اسحق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق بتحريض من اليمين الإسرائيلي عام 1995م من أجل تعطيل العملية السلمية والتطلع لإلغاء الاتفاقية مستقبلا من خلال المحاورة والمماطلة والتهرب من استحقاق السلام الملقى عليهم، حيث مارست الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة المفاوضات والحوار والمماطلة مع الجانب الفلسطيني، وكان هناك تبادل أدوار بينها لنهب الأرض الفلسطينية وتكثيف عملية الاستيطان وتهويد المزيد من المواقع الفلسطينية للحيلولة دون قيام الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967، وهذا الأمر كان واضحا وجليا لأبناء الأرض المحتلة رغم المفاوضات واللقاءات والمؤتمرات وزيارات الأوروبيين والأميركان المتكررة للأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبما أن الولايات المتحدة الأميركية راعية العملية السلمية الفلسطينية الإسرائيلية تتعاطف مع المواقف الإسرائيلية، وأحيانا تتبنى مواقف الجانب الإسرائيلي بصورة واضحة وتستعمل حق النقض الفيتو في مجلس الأمن الدولي ضد أي قرار يتخذه المجلس لصالح القضية الفلسطينية والمصالح العربية، فإن عزم السلطة الوطنية الفلسطينية التوجه إلى الجمعية العامة للتصويت على قيام الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967 بعد ضمان اعتراف مزيد من دول العالم بالدولة العتيدة هي خطوة في الاتجاه الصحيح في ظل الواقع العربي الحالي المتصارع مع نفسه والذي يتسم بالضعف الشديد.
وبالرغم من تأخر هذه الخطوة عشر سنوات على الأقل حيث كان من المفترض التوجه للجمعية العامة بعد ولوج التاريخ المحدد لانتهاء الفترة الانتقالية حسب الاتفاقية، وهو يوم 5/ 5/ 1999م، وأيضا بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد عام 2000م التي كانت برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون.
إلا أن النية الفلسطينية بالتوجه للجمعية العامة للأمم المتحدة تكشف حقيقة المواقف الإسرائيلية، وستكشف الدور الأميركي وحقيقته في رعاية مفاوضات السلام المباشرة وغير المباشرة بين الجانب الفلسطيني والجانب الإسرائيلي.
والتعليمات التي أصدرها رئيس وزراء إسرائيل قبل شهر تقريبا إلى مستشار الأمن القومي الإسرائيلي لإجراء مشاورات مع كافة الجهات الحكومية المعنية في إسرائيل من أجل تقديم توصيات إلى المستوى السياسي الإسرائيلي حول ما يتوجب اتخاذه من خطوات إسرائيلية مناسبة ردا على السياسة الفلسطينية يدلل على النوايا المبيتة ضد تحقيق أماني الشعب الفلسطيني.
ولهذا يبحث مجلس الأمن القومي الإسرائيلي في البدائل المتاحة وأهمها إمكانية إلغاء اتفاق أوسلو ردا على توجه السلطة الوطنية الفلسطينية لانتزاع اعتراف دولي من الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية وقيامها على حدود الرابع من حزيران عام 1967م.
والرغبة الإسرائيلية المبيتة سابقا بإلغاء اتفاقية أوسلو يعلنون عنها بصراحة باسم مجلس الأمن القومي الإسرائيلي ويحملون الجانب الفلسطيني ذريعة الإلغاء بدعوى قلق إسرائيلي من أن الفلسطينيين قد يستخدمون قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة من أجل خوض معركة قانونية في محكمة العدل الدولية في لاهاي، وقلقهم ربما من محاولة الجانب الفلسطيني تغيير الترتيبات الاقتصادية والأمنية التي تحققت على مدى السنوات الماضية منذ توقيع اتفاقية أوسلو.
وبالمفهوم الإسرائيلي فإن إلغاء اتفاقية أوسلو يعني البحث واتخاذ خطوات إسرائيلية في إعادة النظر في القضايا الرئيسية، وفي مقدمتها وضع السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية وإلغاء وجودها وإعادة الإدارة المدنية العسكرية الإسرائيلية.
ويرى مجلس الأمن القومي الإسرائيلي خطرا في توجه السلطة الوطنية الفلسطينية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، لأن هذه الخطوة ضد نوايا إسرائيل ومخططاتها المرسومة لطمس القضية والحيلولة دون قيام الدولة الفلسطينية.
وأيضا من جهة أخرى فإن عدم قيام الدولة الفلسطينية وغياب الاستقلال واستمرار الاحتلال يشكل خطرا كبيرا ويهدد الأمن القومي الفلسطيني، فالاحتلال يعني تسلطا على مدار الساعة ومحاربة للمواطن الفلسطيني يحرمه من أرضه ومن اقتصاده ومن أمنه الشخصي وأمن عائلته.
ولا يمكن للشعب الفلسطيني الاستمرار في حياة تكون لقمة عيشه مهددة بقرار إسرائيلي أو دولي متعاطف مع الاحتلال ولا يمكنه الاستمرار بالعيش مع الخوف على حياته وحياة أفراد عائلته ومجتمعه إلى ما لا نهاية.
ولا يمكن لشعب أن يزدهر ويحقق أمنه الغدائي والحياتي على حساب شعب آخر مقهور من ظلم الاحتلال في إطار أفق مغلق لا يرى فيه نهاية النفق.
والذهاب إلى الأمم المتحدة وانتزاع اعتراف عالمي بدولة الشعب الفلسطيني في غياب البدائل الأخرى بسبب الظروف الدولية والعربية وتشابك المصالح المختلفة هو من أجل تحقيق الأمن القومي الفلسطيني.
ومن تفاهمات الاتفاقية وملحقاتها إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967 بعد انتهاء الفترة الانتقالية والتي يريد الإسرائيليون استمرارها إلى ما لا نهاية، وإذا تنصلت إسرائيل من الاتفاقية ودعت لإلغائها وإعادة الأوضاع الفلسطينية في الأرض المحتلة، كما كانت قبل الاتفاقية، فإن من حق الجانب الفلسطيني المضي قدما في توجهه للجمعية العامة بناء على القرارات الدولية الصادرة بحق القضية الفلسطينية وخاصة قراري "242، 338"، أو باستطاعة الجانب الفلسطيني تغيير خطابه السياسي والتلويح والإشارة الواضحة للإسرائيليين بالرجوع إلى قرار التقسيم رقم "181" الصادر في 29 تشرين ثاني لعام 1947، بخصوص تقسيم فلسطين بين الدولة الفلسطينية التي لم تقم والدولة العبرية حيث كانت مساحة الدولة الفلسطينية المنصوص عليها في القرار 44% من مساحة فلسطين الكلية وأيضا طلب تفعيل قرار حق العودة رقم "194".
وباستطاعة الجانب الفلسطيني ومعه العمق العربي والمأمول استعادة عافيته تفعيل القرارات الدولية هذه وحشد الدعم الدولي لتفعيلها واعتمادها واعتراف العالم بالدولة الفلسطينية بناء عليها.
والخطوة الفلسطينية الأساسية التي يتوجب تحقيقها وأكد عليها رئيس الوزراء التركي السيد أردوغان مؤخرا ويؤكد عليها كافة أبناء الشعب الفلسطيني، هي في إتمام عملية المصالحة والذهاب للمعركة الدبلوماسية الدولية موحدين بلسان واحد.
وبصفتي مواطن فلسطيني أعيش تحت سيطرة الاحتلال منذ نعومة أظفاري فإنني لا أرى مبررا أو حجة لأي طرف من الأطراف الفلسطينية بعدم إتمام عملية المصالحة لأنها تشكل السكة الصحيحة التي سيسير عليها قطار الدبلوماسية الفلسطينية.
*عودة عريقات – العرب اون لاين