لم يتمكن الشاب (ياسر) من السيطرة على دموعه وهو يخرج من منزل بإحدى قرى البديع وهو يحمل حقيبته الصغيرة التي وضع فيها ما تيسر من مستلزمات تطبيب... فعلى الرغم من أن حالة الصبي الذي قام بتقديم الإسعافات الأولية له ليست خطرة، لكنه، وبعد أن فقد السيطرة على دموعه، انفجر باكياً من هول ما رأى وشاهد وشارك في علاج مصابين من أطفال وشباب وكبار سن ونساء ورجال، لا ذنب لهم إلا أنهم جزء نابض من جسد البحرين الغالي.
ان الشاب (ياسر) وغيره مجموعة طيبة كريمة من الجنسين، ومن الرجال والنساء، هم في الحقيقة أبطال شرفاء رغم قلة الحيلة وضيق ذات اليد! فهؤلاء الشباب الذين تدربوا في السابق من السنوات في دورات الإسعافات الأولية، وجوه تنير في ظلام الخوف والرعب والترقب والوجع اللامتناهي، وواجبهم الوطني اليوم يدفعهم لأن يقدموا العون الإنساني لكل من يحتاجه من المصابين في مختلف مناطق البلاد إثر الهجمات الوحشية المسلحة على أيدي جماعات الموت والرعب والدمار.
ويعبر (ياسر) بأسى عما وصل اليه الوضع في بلادنا، لكن الأشد بالنسبة له هو أن المستشفيات والمراكز الصحية والعيادات الخاصة أصبحت تحت احتلال من نوع لم يشهده أي مجتمع ديمقراطي متحضر تنظم علاقاته القوانين! ويشير الى أنه بعد أن اشتدت القبضة على المؤسسات العلاجية، تم التنسيق مع عدد من الإخوة والأخوات ممن لديهم خبرة كافية في مجال الإسعافات الأولية لأن نساهم بكل ما أوتينا من قوة في مساعدة أهلنا، بل ومساعدة كل محتاج من المواطنين والمقيمين الذين قد يتعرضون للهجمات الدموية الهمجية من الميليشيات المسلحة التي لم تتورع حتى عن منع سيارات الإسعاف والتعرض للمؤسسات الطبية، وقد تم بالفعل تلقي استجابة كبيرة من مواطنين من مختلف الفئات ومن الطائفتين الكريمتين.
وفيما يتعلق بالمواد والمستلزمات الطبية، يشير الى أن الأوضاع كانت تشير الى أن هناك أوقاتاً عصيبة بعد مجزرة يوم الخميس الدامي 17 فبراير/ شباط 2011، ولهذا كان بعض المسعفين يحتفظون بالضروريات من المستلزمات ولكن بكميات محدودة، لكن من المهم الإشارة الى أن الكثير من المواطنين وكذلك من المؤسسات التي لديهم صناديق اسعافات أولية لم يترددوا أبداً في تقديم ما لديهم من مستلزمات وأدوات طبية، خصوصاً وأنه في بعض الأيام الماضية لم تكن الصيدليات الخاصة تعمل، والصيدليات التي تعمل لا يمكن الوصول الى مناطقها بسبب التفتيش التعسفي.
أما (ابتسام) فهي تشعر بالكثير من الفخر رغم شدة الألم والمأساة التي تعيشها البلد، وتعبر عن ذلك بقولها: «حين تصل إلى بيت أحد الجيران أو المعارف أو تساهم في انقاذ مصاب تقرأ الامتنان في عيون الناس فترتاح نفسك... نحن حسبما لدينا من امكانية نعالج الآلام بالآمال... لقد بكيت بحرقة عندما عاينت صبياً في الثانية عشرة من العمر وقد هاجمته مجموعة من البلطجية الذين يحملون الأخشاب والحديد في قرية الزنج... وكم كان وضعه سيئاً من شدة الخوف وهو غائر العينين ويرجف كالطير المذبوح... لم يكن مصاباً بأي جرح أو أذى، لكن هل هناك أشد وأوجع من ارعاب صبي ذهب ليشتري من البقالة القريبة؟».
ويتمكن العديد من الشباب المسعفين المتطوعين من الوصول الى بعض المناطق حينما تكون الظروف مواتية، ويبذلون ما أمكنهم من جهد، وهم يشيرون الى أن هناك عدداً من الأطباء من الجنسين وكذلك العاملين في قطاع التمريض والمهن الطبية المساندة يشاركون بلا تردد في تقديم المساعدة، فتلك هي شيمة أهل البحرين الذين (يفزعون) للخير والصلاح والسلام، لا (فزعة) الهمجية والموت والصرخات الجاهلية البغيضة .
عن صحيفة الوسط البحرينية