لم تكن دعوة رئيسة قرغيزستان المؤقتة روزا أوتونباييفا لتدخل روسيا عسكريّاً في جنوب البلاد, إلا إشارةً إلى الدول العظمى بأن بلدها ذا الأغلبية المسلمة سيظل موالياً لروسيا، رغم انفصالها رسميّاً عن الاتحاد السوفياتي السابق.
وجاء الطلب القرغيزي بتدخل روسيا عسكريّاً، بعدما أعلنت الحكومة المؤقتة عدم قدرتها على وقف أعمال العنف العرقية المشتعلة جنوب البلاد بين القرغيز والأوزبك، التي أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 62 شخصاً وإصابة المئات, خاصة أن الحكومة المؤقتة الجديدة لم يمرَّ على توليها زمام الحكم سوى شهرين، في ظل استمرار تفشي الفساد في مؤسسات الدولة.
ويلاحظ من خلال الأحداث الجارية في قرغيزستان أن هناك أيادي خفيّة تعبث باستقرار هذا البلد المسلم ذي الموقع الاستراتيجي بالقرب من روسيا والصين وتركيا وأفغانستان, حيث تعتمد الولايات المتحدة بشدة عليه كمستودع للعتاد والمؤن التي يتم نقلها إلى قوات الاحتلال بأفغانستان، فيما تنظر إليه روسيا على أنه جمهورية مستقلة عن الاتحاد السوفياتي السابق, ولكن على حكوماته أن تظل موالية لروسيا.
ورغم أن عدد سكان هذا البلد لا يتجاوز الستة ملايين نسمة، إلا أن الحكومة المؤقتة غير قادرة على حفظ الأمن والاستقرار لعدة أمور، أبرزها وجود صراع إقليمي على النفوذ داخل هذا البلد خاصة بين الولايات المتحدة وروسيا.
وما يؤكد ذلك التقارير التي رصدت تصريحات الحكومة المؤقتة الموالية لروسيا، التي اتهمت فيها إخوة الرئيس القرغيزي المخلوع كيرمان بيك باكييف الموالين للولايات المتحدة بالوقوف خلف أعمال العنف في الجنوب، وخاصة في مدينة أوش ذات الكثافة الأوزبكية.
في إطار متصل يؤكد عدد من المراقبين أن الدولتين المسلمتين قرغيزستان وأوزبكستان على وشك السقوط في فخ غربي، يجرهما لحرب مشتركة تسمح لدخول قوات احتلال أجنبية إليهما، كما حدث من قبل مع العراق والكويت، ومن قبل بين العراق وإيران.
وإذا نظرنا في تاريخ مدينة أوش نجد أنها شهدت عام 1990م صراعاً بين القرغيز والأوزبك، وتعتبر هذه المدينة مقر المعارضة القرغيزية الحالية ومؤيدي الحكومة السابقة.
وقد بدأ النفوذ الروسي بالتغلغل داخل قرغيزستان منذ عام 1918م إلى أن وقعت كلها تحت الحكم السوفياتي عام 1936م، وصاحب الاستعمار الروسي حدوث تغييرات في الثقافة والاقتصاد القرغيزي, حيث تحوَّلت الكتابة القرغيزية من الأحرف العربية إلى الروسية عام 1941م.
وفي آب عام 1990م وقعت الاشتباكات الأولى بين القرغيز والأوزبك في مدينة أوش، واستمرت حينها لمدة شهرين حتى تمَّ انتخاب عسكر آكاييف الموالي لروسيا في تشرين الأول من نفس العام، وظل في الحكم حتى عام 2005م قبل أن يهرب إلى روسيا بعد معارضة قوية لحكمه وصراعات بين مؤيديه ومعارضيه امتدت للعاصمة.
انتخب بعد ذلك كرمان بك باكييف الموالي للولايات المتحدة الأميركية رئيساً لقرغيزستان حتى نيسان عام 2010م، قبل أن تطيح به المعارضة وتضطره إلى الهرب من العاصمة إلى مدينة أوش, ليوقعا اتفاقاً يقضي بخروجه من البلاد مقابل التخلي عن السلطة لحكومة مؤقتة بزعامة أوتونباييفا.
تقع جمهورية قرغيزستان في آسيا الوسطى، وتجاور بشكل مباشر الصين وطاجيكستان وأوزبكستان وقزقستان، وتمكَّنت من الاستقلال عن الاتحاد السوفياتي أواخر عام 1991م وعاصمتها بشكيك.
يبلغ عدد سكان البلاد نحو 5.5 ملايين نسمة، 80% منهم مسلمون، و18% أرثوذوكس تابعون للكنيسة الروسية، و2% من اليهود والمعتقدات الأخرى.
أما أوزبكستان فهي أكبر دولة في آسيا الصغرى من حيث عدد سكانها البالغ قرابة 28 مليون نسمة، وعاصمتها طشقند، وتضم ضمن حدودها جمهورية قراقل باك، كما تشمل تسعة أقاليم تتمتع بالحكم الذاتي كبخارى وسمرقند وطشقند وخوارزم، وتحيط بها عدة جمهوريات مثل كازاخستان وتركمانستان وقرغيزستان وطاجكستان، وتبلغ نسبة المسلمين بها 88% من مجموع السكان، وقد تمكنت الجمهورية من الحصول على استقلالها عام 1991م، ودستورها علماني ديمقراطي.