تستمد النظم والحكومات في العالم شرعيتها من الشعوب , الا ان هذه القاعدة تنقلب في ليبيا رأسا على عقب , فنظام القذافي لايستمد شرعيته من الشعب فحسب , بل انه ووفقا لمنطق القذافي , لايستحق الشعب الليبي الحياة اذا لم يحب القذافي.
هذا المنطق السقيم , لصاحب الكتاب الاخضر والنظرية الثالثة , رغم انه كارثة حتى في اطاره النظري , وجد طريقه الى التطبيق بعد ان استخدم القذافي المقاتلات الحربية والمدفعية الثقيلة ضد شعبه الذي انتفض عليه , وقصف المناطق الاهلة بالسكان , كما حدث في رأس لانوف , حيث سقط العشرات من القتلى بينهم اطفال ونساء.
المشكلة التي يواجهها الشعب الليبي , الذي كان ضحية القذافي سلما وحربا , هي انه محشور اليوم بين مطرقة القذافي وسندان الموقف الغربي . فالى جانب ماترتكبه كتائب القذافي من جرائم بحق المدنيين , هناك موقف غربي اقل مايقال عنه انه خبيث , فالعالم كان ينتظر سقوط نظام القذافي في الايام الاولى من الثورة الليبية , في حال تم فيه شل حركة الطيران الحربي للقذافي , وهو امر كان في متناول اليد اذا ما قرر مجلس الامن الدولي ذلك . الا ان مطابخ صنع القرار الغربي , لم تكن في وارد انقاذ ارواح المدنيين الليبيين من مرتزقة القذافي . المماطلة المريبة للغرب في اتخاذ موقف حازم لوقف حمام الدم في ليبيا , دفع الكثير من المراقبين الى الاعتقاد بوجود نوايا جهمنية تختفي وراء التسويف والمماطلة الغربية , ومن بين هذه النوايا:
-العمل على عدم تكرار التجربتين التونسية والمصرية في باقي الدول العربية , وجعل ضريبة تغيير الانظمة الدكتاتورية باهظة الثمن على الشعوب الثائرة وجعل هذه الشعوب تفكر الف مرة قبل القيام باي انتفاضة , حفاظا على باقي الانظمة الدكتاتورية التي اخذت تشعر بالخطر.
- مادام ميزان القوى على الارض لايميل لصالح القوة العسكرية للقذافي , الذي يسيطر على غرب ليبيا , ولا لصالح القوة المعنوية للثوار , الذين يسيطرون على شرق ليبيا , وتراوح القتال بين الجانبين بين كر وفر , فليس من مصلحة الغرب التدخل لصالح الثوار وترجيح كفتهم , الامر الذي يعني ادخال ليبيا في كابوس التقسيم على ضوء استمرار هذه الحالة.
- ومع اطالت فترة القتال , التي تعني سقوط المزيد من القتلى واراقت المزيد من الدماء , الامر الذي يكثف اكثر كابوس التقسيم في نفوس الليبيين.
- العمل على ابتزاز الشعب الليبي وفي مقدمته الثوار والحصول منهم على امتيازات في ظل الظروف الصعبة التي يمرون فيها , ويمكن فهم ذلك من خلال اعلان بعض الدول الغربية انها تحاول الاتصال بالثوار والمعارضين للقذافي , قبل ان تفكر بوقف الجرائم التي ترتكب بحقهم.
كل ماقيل لا يمكن الجزم به بشكل قاطع , ولاحتى رفضه بالجملة , فهي اراء تقبل النقاش , ولكن الشيء الوحيد الذي لايقبل النقاش هو ارادة الشعب الليبي الثائر ,الذي عقد العزم على التحرر من الطاغية , فهذا الشعب ادرى من الجميع بما يحاك حوله , ويمكن تلمس الوعي الاستثنائي الذي يميز الشعب الليبي , من خلال معاملة الثوار مع الوفد البريطاني الذي تسلل بطريقة غير شرعية الى ليبيا ليصطاد في المياه العكرة , فكان جزاءه الطرد من بنغازي شر طرده , ورفض الثوار اي تدخل غربي في شؤون بلادهم الداخلية وفي مقدمتها ثورتهم.
فليخطط الغرب كما يشاء , وليرسم صورة ليبيا كما يشاء , وليمني النفس بنهب ثروات ليبيا كما يشاء , فمستقبل ليبيا لن يكون الا كما يشاء الليبيون.
* نجم الدين نجيب