بعد تسع وخمسين عاماً على تفجر ثورة يوليو المجيدة بقيادة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر تقف مصر اليوم على مفترق طرق هو الأدق والأصعب خلال هذه الحقبة كلها.
ثورة يوليو قدمت لشعب مصر نموذجاً للحرية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص يضاهي في حينه أعظم انجازات الثورة الاشتراكية في عديد من البلدان التي تخلصت من الاستعمار القديم للتو.
المصريون كانوا يخضعون لنظام هو أقرب للإقطاع بأكثر صوره بشاعة ورغم وجود حكومة منتخبة وبرلمان منتخب أيضاً إلا أن ذلك لم يفد فلاحي مصر وفقرائها، وهو فقط أوحى بأن هناك نظاماً برلمانيا في المملكة المصرية تشبهاً بالغرب وحيث الاستعمار والباب العالي يتحكمان في كل تفاصيل الحياة السياسية لمصر.
ثورة يوليو ألغت الحياة الحزبية وأنهت الأحزاب بسبب الفساد الذي كان ينخرها كالسوس واستبدلته بما سمي في حينه تحالف قوى الشعب العامل وعبر انتخابات كانت مضبوطة على إيقاع الثورة واهتداء بأهدافها الكبيرة فلم تكن هناك معارضة ليس لأن جمال عبد الناصر ليس ديمقراطيا بل لأنه كان يمثل آمال الشعب المصري وطموحاته وأيقونة يرددها صباح مساء وكذلك لأنه مثل في حينه عنفوان أمة خرجت للتو من الاستعمار بشقيه الغربي المسيحي والتركي الإسلامي فكانت شعارات ناصر منارة لكل من حلم بغد أكثر إشراقاً وأوفر كرامة للمصريين والعرب.
خاضت ثورة يوليو معارك العروبة والحرية في عدة أقطار عربية كاليمن والجزائر واليمن الجنوبي وغيرها من الدول التي بقي بعضها للآن رهينة الحماية الغربية التي انتقلت من بريطانيا العظمى إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
ونتيجة الموقف الناصري المبدئي تجاه موضوع الوحدة العربية وتجربة الوحدة المصرية السورية، ونتيجة التدخل الايجابي لمصر أو ما كان يطلق عليها الجمهورية العربية المتحدة، وكرد على كشف الرئيس عبد الناصر أوراق الرجعية العربية وارتباطاتها المشبوهة والتحريض عليها وخاصة آل سعود في الجزيرة العربية، ولأن جمال عبد الناصر بدأ في الاستعداد لتعزيز الطوق حول المصالح الأمريكية والإسرائيلية، نتاج كل ما تقدم تكالبت على مصر كل تلك القوى المتضررة والتابعة للاستعمار الأمريكي لتقدم في النهاية ثورة يوليو على طبق من فضة لخليفة له رهن مصر لكامب ديفيد، ولمن بعده الذي وضع مصر في أسوأ ما يمكن على كافة الأصعدة وهمش دورها، فمن رجل زار الكيان الصهيوني واستسلم أمامه لآخر عبث بمقدرات مصر فأفسد حياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية لدرجة أن خدمة الدين المصري باتت تشكل نسبة تقترب من الثلث من الناتج القومي مع كم هائل من الإفساد والتبعية لأمريكا وعشرات الأمثلة يمكن سوقها على هذا الصعيد للتدليل على درجة فساد وعمالة نظام مبارك للغرب وأمريكا والعدو الصهيوني، ليس الغاز ولا قصة معبر رفح أكثرها دلالة.
إن استعادة عنفوان وشباب يوليو مع شرعية شعبية وبمنهج للحكم يعطي المصريين حقهم في اختيار من يريدون بحرية هو حلم راودنا جميعاً لسنوات آملين أن تستعيد مصر روحها عبر استعادة تلك الروح الوثابة لثورة يوليو بشعاراتها وأهدافها النبيلة والتي تعطي شعب مصر والأمة العربية بعض حقها في الحرية والكرامة.
كانت فلسطين شعار يوليو الأكثر ترداداً، وكان عبد الناصر لا يكل من تحميل مسؤولية ضياع فلسطين للقادة العرب ولم يستثن نفسه من ذلك، وكان يجهر بأن تحرير فلسطين أولوية مطلقة وإن كان الرجل لم يزعم أنه وضع مخططاً لذلك.
خرجت ثورة يوليو عن سكتها وانتقلت من معين للثورات وللحرية والعدل إلى تابع ذليل للغرب على يد السادات ومبارك، إلى الحد الذي جعل الوضع في جمهورية مصر العربية على حافة الانفجار.
فجأة وبعد طول انتظار عاد الأمل وعادت الروح التي عملوا على قتلها بمؤامرة عام 1967 والهزيمة القاسية التي ألحقوها بنا وبحلمنا في الوحدة وتحرير فلسطين....فجأة خرج أبناء وأحفاد مفجري ثورة يوليو ليقولوا للدنيا أن مصر تعود وأنها لن تستمر بنفس الطريقة ولن تقبل من الآن فصاعداً أنصاف الحلول أو أرباعها فرحل مبارك ووضع العديد من زبانيته في السجن وبات في حكم المؤكد أن مصر لن تعود لما كانت عليه قبل 25 يناير 2011.
اليوم في ذكرى يوليو المجيدة نضع أمام أعيننا هدفاً كبيراً ترتبط به أحلام المصريين والأمة العربية في مستقبل يوفر لأجيالنا اللاحقة ما حرمنا منه نحن...إنها البشرى تأتينا من ميدان التحرير ومن كل ميادين الحرية في الوطن العربي بأن زمن التبعية والتخاذل أمام أمريكا والعدو الإسرائيلي قد انتهى ولن يعود وأن زمن التعامل مع الشعب في بلداننا لن يكون تعامل الأباطرة مع رعيتهم بل إن النظام والحاكم يجب أن يكونوا موظفين عند الشعب يبدلهم متى شاء. إنها الديمقراطية بصبغتها العربية..إنها ثورة يوليو بثوبها الجديد وبروح جديدة.
في ذكرى الثورة واقترابها من سن الستين لابد أن نحيي كل شهداء يناير ومن سبقهم في سجون النظام الفاسد ومعتقلاته..نحيي كل أم زغردت وصبرت حين أبلغت نبأ استشهاد ابنها...نحيي هؤلاء الذين وصلوا الليل بالنهار للحفاظ على مكتسبات الثورة، وأخيراً نحيي روح الزعيم العربي الكبير جمال عبد الناصر ونستمطر شآبيب الرحمة عليه.