الإنتهازية بالوراثة من الثورة إلى الثورة
قبل عام تقريباً خرج علينا الفنان المصري عمرو دياب بأغنية وطبلة ورقصة على شرف الرئيس المخلوع حسني مبارك ولكن بعد أن أتضح لهذا الفنان الخيط الأبيض من الخيط الأسود لثورة 25 يناير غنى وطبل ورقص لثورة الشباب الخالدة وكذلك فعل عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية الذي اختفى تماماً منذ بداية المظاهرات والإعتصامات المصرية وبعد أن أتضحت له الحسابات السياسية أقتحم تظاهرات ميدان التحرير لإلتقاط الصور مع الشباب المصري المرابط في الميدان ليرشح نفسه للرئاسة المصرية بعد مرحلة طويلة حافلة بالفشل والإحباطات العربية.
ثورة ليبيا ضد الطاغية معمر القذافي أيضاً أظهرت لنا الكثير من الذين يحملون نفس هذه المواصفات الإنتهازية بنسب متفاوته والقفز إلى قوارب النجاة بعد أن أتضح لهم بأن السفينة أوشكت على الغرق بإستثاء البعض من أفراد الجيش والأمن الذين رفضوا إراقة الدماء البريئة من أخوانهم الليبيين فكان مصير بعضهم الشهادة ومنهم من ينتظر.
أما في اليمن فالمشهد يختلف تماماً من حيث المضمون رغم التشابه في الشكل ، وما نسمع عن إستقالات تتساقط كأوراق الخريف من شجرة الحزب الحاكم وغير الحزب الحاكم من مشائخ وأبناء مشائخ ، وقبائل وأطفال قبائل ومعارضة وعيال معارضة يجعلنا نقول ونعترف بل ونؤمن بأن اليمن ليست تونس أو مصر أو ليبيا أو أي دولة أخرى لأننا نرى التاريخ اليمني يعيد نفسه عندما نقلب صفحاته الملئية بالعبر لاسيما الثورات اليمنية وأسباب تداعياتها.
عندما قامت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر سنة 1962 ضد الحكم الإمامي إنخرط في دعمها كل شرائح المجتمع اليمني ، بل وقفز هؤلاء البعض على موجة هذه الثورة من المناهضين لها وحاربوا في صفوفها لكنهم في نفس الوقت ومن طرف خفي كانوا يعملون على إجهاضها. وعندما جاء المدد من مصر عبدالناصر بالجيش والعتاد دعماً من أخوتنا المصريين وجدنا هؤلاء يحاربون أيضاً مع الثوار ومع أخواننا المصريين لكنهم كانوا يلعبون من تحت الطاولة لكسر إرادة الثورة ، وتم لهم ذلك.
وعندما تم التوقيع على إعادة الوحدة اليمنية كمطلب وطني يمني جماهيري شعبي لحاجات إجتماعية حقيقية تمس أبسط معايير حقوق الإنسان اليمني ، وكهدف من أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر تم إغتيال هذه الوحدة من قبل نفس هذه الجماعة وتجييرها في النهاية لمصلحتها الإنتهازية.
وقبل حوالي أربع سنوات قام الحراك الجنوبي مطالباً بفك الإرتباط كمخرج لإعادة الفرز السياسي وترتيب الأولويات الوطنية وإعادة إنتاج الوحدة اليمنية بشكل يحفظ الحقوق المتساوية فقامت نفس الجماعة بالتسلل على الحراك وإرسال من يركب موجته ليشتت قيادة الحراك ويبعثر جهودها الوطنية وما إنتقال بعضهم إلى الحراك السلمي إلا دليل ثابت على ذلك من الذين خرجوا من رحم السلطة وجهازها الإستخباري والإرهابي وتسللوا إلى الصفوف القيادية في الحراك وقد نبهنا إلى ذلك في حينه.
وفيما شعبنا في الجنوب يلملم جراحاته بكل شبابه وطاقاته مجدداً ليلتحم شعبياً مع أخوانه وأخواته في شمال الوطن ليعيد صياغة الوحدة اليمنية الحقيقية على أسس شعبية وطنية مؤكداً حقه الشرعي بالإحتفاظ بقضيته الجنوبية لم يلبث أن أنقضت عليه نفس هذه الجماعات وبنفس الأسلوب الماكر الذي استخدمته في ثورتي سبتمبر وأكتوبر وفي إعادة الوحدة اليمنية وفي الحراك الثوري الجنوبي.
كما يحاول البعض الآخر أن ينقض على كل مخرجات الثورة الشبابية المعززة بثورة الأمة العربية قاطبة من المحيط إلى الخليج معتقداً أن تطهره الكاذب وإستقالته من الحزب الحاكم سيشفع له ولأسرته كل الموبقات التي أرتكبت من قبلهم ضد اليمن منذ قيام الثورة اليمنية وحتى هذه اللحظة متناسياً أن قيمة المنابر الرخيصة التي يعتلونها حالياً ليعلنوا منها تطهرهم وإستقالاتهم إنما هي في الأساس من أموال الإرتزاق والمال المنهوب من ثمن القوت الضروري لأفراد الشعب اليمني ومرتبات ومعاشات الشهداء والأيتام والقوائم المزورة منذ قيام الثورة وماقبلها وحتى الآن الت نالت من مقومات إنسانية وعرض وعزة وكرامة الشعب اليمني ومن تواصل مسيرته الحضارية وتاريخه المجيد وتقدم وإزدهار مجتمعه.
بل إن هذه الجماعات لم تألوا جهداً من إستخدام كل الوسائل بما في ذلك (الكلمة) لدرجة أن المرء يحار من أمر بعض كتابهم المأجورين ، ففيما تجد عذرا للبعض في الكتابة دون محتوى نتيجة لخواء واضح ، تبحث جاهدا لعذر واحد لآخرين يغالطون ويتملقون بالفطرة وبغير الفطرة ويحملون المباخر أحيانا بطعم وأحيانا برائحة واحيانا بلون وتارة بلا طعم ولا لون ولا رائحة .. أما مايسطره بعضهم هذه الأيام في خضم هذه الإنتصارات المجيدة التي تحققها الشعوب العربية فهو شيء آخر لاعلاقة له حتى بالمباخر وحملتها ، تجد كتاباتهم تنفث سموماً تنم عن مشكلة أعقد بكثير من توصيفها مادياً او بحساب بورصة المصالح وإن كانت تصب في الاتجاه ذاته في الأعم الأغلب ولكنها سموم تنم عن عقد شخصية تبدو أنها تعمل بأثر رجعي ، إذ لا تزال عقد الأموية والهاشمية والطائفية والمناطقية مع عقد التفوق والنقص الإجتماعي الذي أخترعته الأطر الفوقية تهيمن على عقولهم حد الاستحواذ والتأثير على كل مايكتبون لدرجة هدمهم كل الاسوار التي كانوا يحاولون الاختباء وراءها وكشف عن نماذج كارثية أسوأ حالا من حملة المباخر ولم يعد ينافسهم في ذلك احد لكننا نقول لمثل هؤلاء ومن سبقهم الذكر في هذا المقال .. هيهات .. فإن الأرض باتت منبسطة للجميع وأصبح الكل منكشفاً ولم تعد تخالنا أراجيفهم ودعاويهم السمجة فقد شب الجميع عن الطوق وعرف الشعب طريقة وهو لكم جميعاً بالمرصاد.