وجه الشبه بين القذافي وأمريكا
أشعر بالغثيان من محاولة الإدارة الأمريكية تجميل صورتها الدموية، والظهور بمظهر المشفق على الشعب الليبي وأرواح أبنائه وحرياتهم الإنسانية، مستغلة الأحداث العظيمة التي تشهدها منطقتنا العربية، ليس فقط في تجميل صورتها البشعة، ولكن أيضاً في الحصول على موطئ قدم لها في ليبيا يمكنها من التحكم في نتائج الثورة الليبية، أو في التدخل عسكرياً للسيطرة على آبار النفط الليبية.
يهدد الرئيس الأمريكي أوباما بمعاقبة القذافي ونظامه على جرائمه ضد الشعب الليبي، ويستحق القذافي العقاب الشديد على هذه الجرائم، ولكن من الشعب الليبي ذاته، وهو قادر على ذلك، وليس من الإدارة الأمريكية، صاحبة مشاريع الهيمنة الاستعمارية، وراعية الصهيونية والظلم والفساد في منطقتنا، ولا مما يسمى المجتمع الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، صاحب المعايير المزدوجة، والداعم للكيان الصهيوني المجرم، الذي لا شرعية له أصلاً. لا يهدد أوباما القذافي بالعقاب نصرةً للشعب الليبي، ولكنه يفعل ذلك ليبرر تدخل بلاده في ليبيا، ويمنح إدارته فرصة للتحكم في دفة الثورة ونتائجها، أو للسيطرة على آبار النفط في بنغازي. على الأمريكيين أن يحاسبوا أنفسهم أولاً على جرائمهم قبل أن يحاسبوا غيرهم ممن كانوا بالأمس القريب مقبولين لديهم رغم جرائمهم المتواصلة منذ عدة عقود، وعليهم أن يكفوا عن استغلال "الأمم المتحدة" في تحقيق مصالحهم على حساب الشعوب، حتى تتمكن من محاسبتهم على جرائمهم ضد الشعب العراقي والأفغاني والفلسطيني والصومالي والباكستاني...
تمتلئ ذاكرة الشعوب العربية بصور الجرائم الدموية التي ارتكبتها الولايات المتحدة، ولا تزال ترتكبها، ضد شعوب أمتنا العربية والإسلامية، التي ترزح تحت نير أنظمة مستبدة، فاسدة وعميلة، ومنها الكيان الصهيوني، وسلطة أوسلو، تدعمها الولايات المتحدة، وتعدها من مصالحها الحيوية والإستراتيجية، أو تحت نير أنظمة عربية أخرى، فاسدة ومستبدة، تصمت الولايات المتحدة على جرائمها طويلاً، ومنها نظام القذافي، لأنها ترى أن تلك الجرائم لا تشكل تهديداً لمصالحها، بل تحققها. من يستحضر هذه الجرائم الأمريكية يدرك أن ثمة أوجه شبه عديدة بين القذافي والولايات المتحدة الأمريكية.
يعاني القذافي من مرض جنون العظمة، ولا يرى في الوجود إلا نفسه، ويزعم أنه يقود دولة عظمى يطأطئ لها زعماء الدول الأخرى، ويزعم أنه ملك ملوك أفريقيا، ويحاول أن يكون زعيماً لأفريقيا... وكذلك الولايات المتحدة، فهي تزعم أنها زعيمة العالم وتقوده عبر ما تسميه "النظام الدولي الجديد"، وأنها ملكة ملوك العرب والمسلمين أجمعين، وسيدة زعمائهم بلا منافس، وترى أن من حقها الهيمنة على العالم بكل الوسائل، ومنها حروب تشنها على العرب والمسلمين وتقتل خلالها ملايين البشر...
ويزعم القذافي أنه شخصية عالمية محبوبة، وينفق أموالاً طائلة من أجل تحقيق هذه الشهوة، وأن الشعب الليبي يحبه، وأن الليبيين مستعدون للتضحية بحياتهم وأموالهم من أجله، وكذلك الولايات المتحدة، فهي تنفق أموالاً طائلة من أجل تجميل صورتها البشعة، ومن أجل خداع الشعوب وتضليلها، وتزعم أن الشعوب العربية والإسلامية تحبها وترغب في نمط الحياة الأمريكي، وأنها نهاية التاريخ، وأن العالم كله راض عن ممارساتها الهمجية ويقبل بها زعيمةً له...
ويستغل القذافي الأموال التي يسرقها من الشعب الليبي في إثارة القلاقل في أفريقيا، وفي دول غير أفريقية أيضاً، وكذلك الولايات المتحدة، التي تستخدم نفوذها والأموال التي تسرقها أو تغتصبها من العرب والمسلمين في زعزعة الاستقرار في منطقتنا، وفي مناطق أخرى من العالم، لكي تحقق مآربها وأطماعها، وتحافظ على حلفائها الفاسدين والمستبدين، وعملائها، وتخلق مبررات تدخلها في شئون البلاد والعباد...
ويشتري القذافي ذمم من حوله، وأجهزته الأمنية والبلطجية، ومرتزقته، وقيادات أنظمة أفريقية، من أجل تحقيق أهدافه وطموحاته المجنونة، وكذلك الولايات المتحدة، فهي تشتري الذمم والضمائر في عالمنا العربي، وفي العالم كله، وترعى طابورها الخامس في بلادنا، وتساعدهم في الوصول إلى السلطة والنفوذ، إضافة إلى أنها صاحبة عولمة المخابرات والتعذيب في سجونها المنتشرة في العالم...
وبينما ينهب القذافي ومن حوله أموال الشعب الليبي، تنهب الولايات المتحدة القذافي وأمثاله من الطغاة والفاسدين في الدول العربية، ولا سيما الأنظمة الحليفة لها، مثل دول الخليج الفارسي...
ولا يلتزم القذافي بقرارات الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية التي تضر بمصالحه، ولا يعترف بها، وكذلك الولايات المتحدة، فهي تستخدم "الفيتو" من أجل نسف القرارات الدولية التي ترغب فيها نسفاً، ولا تعترف باتفاقيات دولية كثيرة تتعارض مع طموحاتها الاستعمارية...
القذافي ينكر حق الشعب الليبي في الحرية والديمقراطية، وكذلك الولايات المتحدة، فهي تنكر حق الشعوب العربية جميعاً في الحرية والديمقراطية الحقيقة التي تعبر عن إرادة هذه الشعوب، وتتصرف وكأن العرب والمسلمين عبيد لها، وتسلط عليهم أنظمة على شاكلة نظام المخلوع بن علي أو مبارك... وفي هذا الصدد، لماذا لم يهدد أوباما هذين الدكتاتورين وهما صديقان حميمان للولايات المتحدة وجرائمهما لا تقل بشاعة عن جرائم القذافي وزبانيته؟!
هذا غيض من فيض، ووراء كل نظام عربي مستبد طاغيةٌ عظيمة، وهي الولايات المتحدة الأمريكية!