رؤساء مستوطنة المزروعات التي تسمى اسرائيل يفهمون بان الارض تهتز تحت اقدامهم. النتيجة: الساحة كلها نهضت الان على قدميها الخلفيتين، المذهبتين، لتصفية هذا الاحتجاج. أول من يرسل الى المعركة هم المراسلون المكلفون: فهم سيسخرون من الشباب الذين دقوا خيامهم في تل ابيب وسيحاولون تصويرهم كأطفال القشطة. بعدهم سيأتي المباركيين عندنا، الذين سيشرحون بان الاصلاحات على الطريق؛ فهم يعدون دوما بانهم سمعوا الشعب وأن التغيير خلف الزاوية. وفي النهاية ستطول الصحيفة الناطقة بلسان مكتب رئيس الوزراء، التي تحذر منذ يومين من مؤامرة ظلماء لليسار الذي يحاول، من خلال الخيام، اسقاط الحكم المنشود والشعبي.
لا توجد هنا حجة حقيقية واحدة. الاسرائيلي المتوسط يحتاج الى 129 راتب متوسط، قبل الضريبة، كي يشتري شقة متوسطة في اسرائيل، كلفتها نحو مليون شيكل. وهذا حتى قبل احتساب المعيشة، كلفة الحاضنة والروضة (لا، هذا لا يعترف به لدى الضريبة ولا تموله الدولة). هذا المعطى هو الحقيقة ليس عن تل أبيب، بل عن اسرائيل بأسرها. الاجير الاسرائيلي الشاب، الذي هو أساس الطبقة الوسطى يوجد في وضع من العبودية عمليا؛ فهو عالق بقرض سكن كبير على الشقة التي اشتريت بثمن ظالم، في اقتصاد يعاني من نقص عضال في المنافسة وراتب منخفض لا صلة له بالاسعار الذروة التي يمليها الاحتكاريون وأرباب المال المخفيون عن العيان.
جيل كامل ومتسع لا يمكنه أن يشتري شقة بهذه الاسعار. وهذا لا يهم اذا حاول او يشتري في حولون أو في بات يام مثلما اقترحوا عليه المزايدون في الايام الاخيرة، وذلك لان الثمن المتوسط للشقة في غوش دان أعلن من مليون شيكل. اذا ما استأجر فسيخضع الى الابد للطمع العام الذي يجترف اسرائيل بموجات عالية وسيدفع كل سنة اسعار ايجار متصاعدة، حسب تعسف المالك صاحب البيت. واذا ما نجح في أن يشتري في محيط غوش دان، أو في محيط اسرائيل فسيكتشف الامر المسلم به: بان هذه دولة لا تنجح في بناء قطار تحتي او مواصلات عامة حقيقية.
نحن نسخر من اليونانيين على أزمتهم، ولكن في أثينا بنوا قطارا تحتيا في غضون بضع سنين. وحتى مبارك، الحقيقي، بنى قطارا تحتيا في القاهرة. للمباركيين عندنا لا توجد مصلحة في ذلك؛ سياسيون يعيشون على دعم الاحزاب القطاعية. لا حاجة لهم بتلبية ارادتنا، وهم يكتفون بالاستجابة المتزلفة لمطالب هذه القطاعات وبالايمان بعدم الاكتراث الذي يخدر الاغلبية العاملة.
من السهل أن نتنبأ بفشل احتجاج السكن، ولكن من الاصح التفكير باسبابه والتمني له بالنجاح. أكثر من أي شيء آخر، فانه محاولة لنفض الاحساس بالحصار الذي يعيشه الاجير الاسرائيلي المتوسط. بين المطرقة والسندان، بين الاعمال التجارية الكبرى والحكومة الكبرى، الحبل الشوكي للمجتمع الاسرائيلي يختنق.
لشدة الاسف، هذه الاحتجاجات هي مؤشرات أولية على المستقبل. قبل أكثر من نصف سنة كتبت هنا سلسلة مقالات عن الطريقة التي تحولت فيها اسرائيل الى اقتصاد مسيطر عليه، وعلى رأسه يقف السياسيون الذين لا يتغيرون عندنا، أرباب المال والقطاعات. القصة الجميلة والخيالية التي يروونها لنا، كتبت في حينه هي أن اسرائيل اقتصاد حر ومتطور يغير فيه الجمهور الاسرائيلي أصحاب القرار على نحو دائم. وقد أسميت هذه القصة الأسطوانة ، وأسميت الطبقة الوسطى البطاريات ؛ اولئك الذين يعيلون بكل اوهامهم. وهكذا كتب في هذه الصفحات: لم تعد اسطوانة مستقرة. والحساب سيرفع لنا جميعا عندما ينتهي المال الزهيد .
من يعيش الاسعار والسلوك المجنون للمدينة في لندن 2008، قبل لحظة من انهيار الفقاعة داخل ذاتها، يمكن أن يلاحظ المؤشرات. عندما يخرج الطمع عن السيطرة، وتصعد الاسعار عاليا دون صلة بالكلفة وبالراتب، في أوقات ينظر فيها واضع الانظمة بحرج الى السوق وعندما تصبح القروض الضخمة عادة فان هذا هو التحذير. والمؤسف هو أن من سيدفع الثمن لقاء السقوط ليته لا يأتي سيكون ذات الاشخاص بالضبط الذين دفعوه حتى الان.
نداف ايال ?
معاريف
19/7/2011