عاجل:

كيف حوّل العرب الإهانة إلى حرية؟

الخميس ٠٣ مارس ٢٠١١
٠٣:٥٨ بتوقيت غرينتش
ربما اتخذت الثورة العربية لعام 2011 نكهة حزينة ووحشية في مناطق جغرافية متعددة، فهي اندلعت في تونس، ثم انتقلت إلى مصر واليمن والبحرين، لتعود وتصل إلى ليبيا، ففي تونس ومصر، يبدو أن الحرية السياسية سيطرت على الأجواء، بسلاسة نسبياً، وسط احتفالات شعبية عارمة، أما في ليبيا، فقد فُرضت ثورة مضادة للاحتجاجات وأعلن الطاغية المتوحش الحرب على شعبه.

ربما اتخذت الثورة العربية لعام 2011 نكهة حزينة ووحشية في مناطق جغرافية متعددة، فهي اندلعت في تونس، ثم انتقلت إلى مصر واليمن والبحرين، لتعود وتصل إلى ليبيا، ففي تونس ومصر، يبدو أن الحرية السياسية سيطرت على الأجواء، بسلاسة نسبياً، وسط احتفالات شعبية عارمة، أما في ليبيا، فقد فُرضت ثورة مضادة للاحتجاجات وأعلن الطاغية المتوحش الحرب على شعبه.

 

في رزنامة جمهورية الخوف والترهيب التي أنشأها معمر القذافي، يشير تاريخ 1 سبتمبر إلى وصول الضباط والمتآمرين الذين أطاحوا بنظام ملكي ضعيف ومتساهل إلى السلطة في عام 1969، ومن التواريخ المهمة الأخرى، سيصبح يوم 17 فبراير شاهداً على نشوء جمهورية ليبية جديدة، وهو التاريخ الذي سعى فيه مجتمع كان خائفاً في السابق إلى الإطاحة بالنظام الاستبدادي الذي دام أربعة عقود. لا مساومة في هذا المجال ولا عودة إلى الوراء، إنها معركة حتى النهاية في بلد معذّب إلى أقصى حد، فما يحصل هو رواسب ثقافة الاستبداد التي أوشكت على تدمير العالم العربي.

 

لابد من الاعتراف بأن الشعب يتحمل بعض المسؤولية أيضاً، فطوال عقود، وقع العرب في فخ الحكام الدكتاتوريين، فنادوا بأسمائهم وصدقوا وعودهم وحولوا أنظارهم عن الجرائم الكبرى، وبدافعٍ من المكر أو التعصب الأعمى، لم يتفوه ذلك الشارع العربي القديم- الذي اختفى من دون رجعة الآن- بأي كلمة لإدانة الإرهاب الذي مورس ضد الشيعة والأكراد في العراق، فقد كان صدام حسين محبوباً بين الحشود واعُتبر بطلاً عربياً يحمي مصالح السنّة.

 

ولم يلاحظ معظم العرب ما حصل في عام 1978، حين اختفى الإمام موسى الصدر، زعيم الشيعة في لبنان، في أثناء زيارة له إلى ليبيا... بالنسبة إلى العرب، يُعتبر إكرام الضيف من العادات الأساسية في ثقافتهم، لكن مرت تلك الجريمة من دون محاسبة. كان الكولونيل القذافي يملك الكثير من الأموال لتبذيرها، فهللت له الحشود.

 

قدم القذافي نفسه بصورة وريث الزعيم المصري الأسطوري جمال عبدالناصر، فقيل إنه صاغ الكتاب الأخضر بأجزائه الثلاثة، وذكر فيه الحلول لجميع مشاكل الحكم، فتقبّله المفكرون العرب الخانعون، مدعين أن الأحكام غير المنطقية الواردة فيه تستحق التمعّن والتأمل.

 

لفهم الحاضر، لابدّ من تحليل الماضي، فقد بدأت الاضطرابات في السياسة العربية خلال فترة الخمسينيات والستينيات، عندما ظهر الحكام وسقطوا تباعاً، فكانوا يموتون على يد قتلة مأجورين أو يواجهون التحديات من القوى السياسية التي كانت تتمتع بالقوة والقناعات الخاصة بها، وهكذا أُطيح بالأنظمة الملكية بسهولة نسبياً، فوصلت إلى الحكم شخصيات من طبقات اجتماعية متواضعة، عن طريق الجيش أو الأحزاب السياسية المتطرفة.

 

بحلول حقبة الثمانينيات تقريباً، ساد نظام سياسي جديد في مصر، وسورية، والعراق، وليبيا، والجزائر، واليمن، فنشأت دول أمنية قمعية تملك وسائل هائلة لإخضاع الناس وترهيبهم. كان القادة الجدد بلا رحمة، فأعادوا تنظيم عالم السياسة على مقاسهم وقتلوا بلا تردد، وهكذا عاش العرب وسط عالم متوحش.

 

سرعان ما تكيّف المواطنون العاديون مع واقع الأمور، فانسحبوا من الحياة العامة ولازموا منازلهم، وفي الساحات العامة، سادت مشيئة الحكّام، فكانت السلطة المطلقة بيد أمثال صدام حسين، ومعمر القذافي، والرئيس التونسي زين العابدين بن علي، فتبخّرت الضوابط التقليدية التي كانت تحدّ سلطة الحاكم، ولم ينشأ أي تعاقد اجتماعي جديد بين الحاكم وشعبه.

 

في تلك المرحلة، كان الخوف هو العامل الذي يطبع عالم السياسة، وقام الحكام في الدول الأكثر ازدهاراً (كتلك التي تستفيد من عائدات النفط) بما يلزم لترسيخ ذلك الواقع، وهكذا بُني سجن عربي كبير، وأصبح الشعب العربي خانعاً بعد أن كان يُعرف بعزة النفس والكرامة، وكان السجناء يكرهون مراقبيهم ويخشون حراسهم، وقد بدا أن الأنظمة الاستبدادية وُجدت لتبقى.

 

لكن مع مرور الزمن، قام منفذو الانقلابات والمخططون السياسيون سابقاً بترسيخ سلالات جشعة، فأصبحوا «أصحاب البلد»، كما قال أحد العلماء المصريين الليبراليين والدبلوماسيين البارزين. هكذا كان الحكام الشرقيون يفتقرون إلى البروتوكولات والشخصية الجذّابة، واستولت زوجاتهم وأولادهم على كل ما استطاعوا الحصول عليه.

 

لقد رحل العار عن الأراضي العربية من دون رجعة بعد أن كان قوة تنظيمية هائلة في الحياة العربية القديمة. في تونس، أصبحت زوجة الرئيس ليلى بن علي تتحدث في الشؤون العامة بعد أن كانت مصففة شعر؛ وفي مصر، أقدم ابن الرئيس، جمال مبارك، بكل جرأة على إعلان رغبته في حكم 80 مليون نسمة.

 

لم يهبط هؤلاء الحكام من السماء فجأةً، فهم ظهروا نتيجة أخطاء العالم العربي المبني على الإقصاء والمحسوبيات، فثورات اليوم ترتكز في المقام الأول على رغبة في التخلّص من وصمة العار والذنب نتيجة الاستسلام للطغاة لفترة طويلة. عالج إلياس كانيتي هذه الظاهرة بطريقة مدهشة في كتابه الذي صدر في عام 1960 بعنوان «الحشود والسلطة» (Crowds and Power)، فهو ذكّرنا بأن الحشود تتجمع للتكفير عن ذنبها بحضور آخرين ممن ارتكبوا أخطاء وإخفاقات سابقة.

 

ما من مؤشرات معينة أو خط فاصل لتحديد الوقت والسبب الذي جعل الشعب العربي مرهقاً من الحكام الدكتاتوريين... لقد كانت هذه الثورة رداً محتوماً على جمود الأنظمة الاقتصادية العربية، إذ تنبثق ثورة الشباب هذه من خلفية قابلة للاشتعال في أي لحظة، وإنه جيل جديد مطّلع على مسار العالم في الخارج، فانتفض على واقعه.

 

كما أن أسطورة القومية العربية التي صمدت طوال جيلين انتهت صلاحيتها، فقد تعب الشباب العربي من الهوس القديم بالقضية الفلسطينية. كانت الثورة تنتظر الوقت المناسب للانفجار، وسرعان ما اندلعت نتيجة عمل يائس أقدم عليه بائع متجول في تونس، حين أضرم النار بنفسه بسبب نقمته على الوضع.

 

وهكذا اتحد ملايين العرب في الساحات العامة الكبرى في تونس، والقاهرة، والمنامة، وفي مدينتي بنغازي وطبرق في ليبيا، لتوديع حقبة الخنوع... لقد سئمت الشعوب من سياسة الخوف والصمت.

 

قدم كل يوم احتجاجي وكل تجمع حاشد، أمام أنظار العالم، صورة لا تُمحى من الذاكرة، ففي القاهرة، كانت إحدى الفتيات، في السادسة أو السابعة من عمرها، تركب على مزلاجتها وتلوح بعلم بلادها، وفي طبرق، كان طفل يجلس على كتفي رجل، هو الأرجح والده، وهو يحمل لافتة كُتبت عليها رسالة موجهة إلى القذافي: «ارحل، ارحل، يا سفّاح».

 

وسط هذه الاضطرابات، ذُهلتُ بتخبط الحكام مقابل اتزان الكثيرين ممن أرادوا أن يشهد العالم الخارجي على ما يفعلونه. كان أحد الليبيين، في منتصف العمر، فخوراً بالتحدث أمام الكاميرا وإظهار وجهه، خلال مناقشة دارت مع أندرسون كوبر من قناة «سي.إن.إن»، فقال إنه يشعر بأنه رجل جديد وقد تحرر من الخوف للمرة الأولى، وأنه يتطلع إلى المستقبل بكل ثقة. كان الحزم في كلامه يتناقض مع تلعثم القذافي في أثناء خطابه التلفزيوني، يوم الثلاثاء، حين لام «وسائل الإعلام العربية» على ما يحصل له ودعا الليبيين إلى «الاستعداد للدفاع عن البترول».

 

لقد عادت موجة من الصحوة الأخلاقية لتجتاج أوساط المواطنين العاديين، وهي نزعة يجهلها الطاغية والقتلة والعملاء من حوله. لم يُبْدِ المواطنون قلقهم من أن يحل نظام ديني مكان النظام الاستبدادي العلماني، ولم تشلّهم أو ترعبهم فكرة قيام «الإمارة الإسلامية» التي تحدث عنها الرئيس الليبي.

 

لابد من التشديد على أن هذه الثورات العربية كانت من صنع العرب أنفسهم، فلم نلحظ وصول أي زوارق حربية لإنقاذهم، وسيكون صمود قضية تحررهم أو سقوطها منوطاً بهم، فقد فهم هؤلاء المحتجون تلقائياً أن الحكام كانوا حذقين جداً في مقارباتهم، فهم أقنعوا الأنظمة الديمقراطية الغربية بأنها أمام خيارين: إما حكم الطغاة وإما الفوضى.

 

الآن وقد تحرر المتظاهرون من سجنهم الكبير، سيبنون عالمهم بأنفسهم وسيتحملون مسؤولية أخطائهم. يتمثل أقرب مثال تاريخي يمكن مقارنته بما يحدث اليوم في العالم العربي بثورات عام 1848، أو ربيع الشعب في أوروبا، حيث اندلعت تلك الثورة في فرنسا، ثم بلغت الولايات الإيطالية والمحافظات الألمانية، قبل أن تصل إلى المواقع النائية في الإمبراطورية النمساوية، فوقعت حوالي 50 انتفاضة محلية ووطنية، وكانت كلها باسم الحرية.

 

كان ماسيمو دي أزيليو رجلاً أرستقراطياً من بيدمونت وكان متأثراً بالروح السائدة في تلك الأيام، فكتب، بحسب رأيي، أهم كلمات يمكن أن تصف وعود الحرية ومخاطرها: «تشبه هبة الحرية خصائص الحصان، فهو جميل وقوي ومتفاخر. هو يحث البعض على امتطائه، بينما يدفع البعض الآخر إلى متابعة السير». طوال عقود، كان العرب يسيرون في الظل بدافع الخوف، أما اليوم، فيبدو أنهم يتوقون إلى ركوب سفينة الحرية، ويبدو أنهم، عن وجه حق، لا يولون اهتماماً لمن يريد إطلاعهم على مخاطر الحرية.

صحيفة نيويورك تايمز- فواد عجمي

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

مصادر إعلامية سورية: انفجارات جديدة في مستودع أسلحة للجيش السوري قرب منطقة العيس في ريف حلب الجنوبي


استشهاد فلسطيني متأثرا بإصابته بنيران قوات الاحتلال في جباليا شمالي قطاع غزة


استشهاد مواطنة اثر اصابتها بطلق ناري في الرأس على طريق صلاح الدين وسط قطاع غزة


اللواء حاتمي: تقف القوات المسلحة على أهبة اليقظة والاستعداد الكامل ولن تتردد لحظة في الدفاع عن استقلال إيران العزيزة وأمنها ووحدة أراضيها


القائد العام للجيش الإيراني اللواء حاتمي: وقف الشعب الإيراني مرة أخرى صفًا واحدًا بوجه اعتداء العدو وأطماعه فيما دافعت القوات المسلحة المقتدرة للجمهورية الإسلامية الإيرانية عن كيان البلاد ووحدة أراضيها


قصف إسرائيلي شرق مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة وفي محيط دوار بني سهيلا


مكتب الرئيس الإيراني: بزشكيان سيتوجه غدا إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة


وزير الداخلية الباكستاني «محسن نقوي» يتوجه اليوم الاثنين إلى إيران


هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية ومقر خاتم الأنبياء: لن تتراجع القوات المسلحة أمام العدو وستذيق المعتدين والناقمين على الشعب الإيراني مرارة المزيد من الهزائم


هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية ومقر خاتم الأنبياء: غيّرت القوات المسلحة الإيرانية المعادلات الأمنية لصالح الأمة الإسلامية والشعب الإيراني الشريف


الأكثر مشاهدة

اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار


السفارة الأمريكية في العراق: نظرا للتوترات في المنطقة هناك احتمال لحدوث تصعيد غير متوقع


سفارة واشنطن في العراق: على المواطنين الأمريكيين أن يكونوا على دراية باحتمال إغلاق المجال الجوي وإلغاء الرحلات


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدة كفر تبنيت جنوبي لبنان