استشعرت الولايات المتحدة بالخطر قبل حصول الثورات.. خطر من بقاء انظمة مستبدة لفترة طويلة بما يخلق نارا تحت الرماد، فنصحت ببعض التغيرات ليس "لسواد عيون" الشعوب بل خوفا على مصالحها وتأمينا لاستمرارية هذه المصالح وقد كان هناك تصريح لوزيرة الخارجية الاميركية يحث على بعض التغييرات وذلك قبل انطلاق شرارات التغيير بفترة..
أما وقد "وقع الفاس في الراس" فاصبحت الحكاية مختلفة.. والمراقب عن كثب للسياسات الاميركية والغربية يقف على استخدامها شعارات تحاول تغطية التدخلات بل الارتكابات في المنطقة بغطاء مخادع هو الاهتمام بمصالح الشعوب.. وهذا ما يحصل في زمن الثورات العربية، فهل يمكن ان يصدق عاقل ان الولايات المتحدة الاميركية التي دعمت مختلف الديكتاتوريات العربية لعقود طويلة على اختلاف عهودها الرئاسية هي فعلا مع الثورات و تريد تغييرات حقيقية؟ وكيف يمكن تصديق ان الغرب عموماً صادق في توجهاته السياسية لدعم فكرة الديموقراطية والإصلاح السياسي في العالم العربي؟ بل ان اميركا حتى عندما قدمت الى العراق غازية حاولت اضفاء عنوان براق على غزوها الوحشي بانه من اجل استعادة الديمقراطية وكأن الديمقراطية تبنى بالتدخل العسكري واراقة دماء مئات الالاف من المواطنين الذين تدعي انها تأتي لهم بالديمقراطية..
في عهد الثورات نرى ان الولايات المتحدة تأخرت في اصدار موقف حاسم من القذافي رغم جنونه في الرد على المتظاهرين لكن استمرار جرائم الابادة كان كافيا للتسبب بإحراج كبير لاميركا اذا ما طالت فترة عدم دعوتها القذافي للتنحي فصدرت الدعوة بعد 11 يوما، فيما اثناء ثورة مصر وحتى اليوم الاخير لم تكن هناك دعوة واضحة "بالحرف الواحد" كما يقال للتنحي بل ما اسمته انتقالا سلميا للسلطة تدرج حتى القول بانتقال فوري للسلطة مع انها في البداية قالت ان النظام المصري مستقر.. كما كان التأخر ذاته في الموضوع التونسي..
رأت الولايات المتحدة ان لا مناص من ارادة الشعوب فركبت الموجة زاعمة الوقوف الى جانب التغيير لكنها تسعى لابقاء الانظمة وتثبيتها بشكل اخر اي برأس جديد ونظام قديم. فيمكن من وجهة النظر الأمريكية والأوروبية أن تغير وجوه الأنظمة الديكتاتورية بوجوه اخرى اكثر قبولا شعبيا لكن مع ضمان بقاء مصالحها.. بأقل الخسائر؟؟
وبحسب الخبير في الشؤون الاميركية الدكتور غازي وزنة في حديث لـ "الانتقاد" فإن "الإدارة الاميركية تستخدم التصاريح السياسية المتضمنة لمعاني الديمقراطية وحقوق الانسان والحرية لكن في الوقت نفسه تنظر الى مصالحها الامنية والاقتصادية ومصلحة اسرائيل وتحاول الحفاظ على بعض الانظمة او تركيبة بعض الانظمة الحليفة". ويضيف "هناك تغيير واضح في منقطة الشرق الاوسط فالرياح تجري عكس السياسات الأميركية والدول المدعومة من الولايات المتحدة تتعرض لانتكاسة كبيرة وتتهاوى الواحدة تلو الأخرى وهناك خسائر كبيرة للمحور الأميركي في المنطقة فالدول التي عولت عليها في سياستها الاقتصادية والامنية والعسكرية بدأت تتهاوى لذلك تحاول التخفيض من خسارتها ومحاولة سرقة بعض هذه الانجازات حيث رأينا محاولة تمييع الوضع على المستوى المصري والتدخل المتأخر في موضوع ليبيا".
ويعتبر وزنة ان "عوامل القوة بالاضافة الى مسألة محاربة قوى المقاومة بدأت تنهار والادارة الاميركية فوجئت بما حصل في الشرق الأوسط وتدرس كيفية انقاذ ما تبقّى من قوة لها خاصة موضوع البحرين وكذلك عدم امتداده الى المنطقة الشرقية اي السعودية" مشيرا الى ان "البحرين ثقل عسكري للولايات المتحدة ويمكن تسميته بنتاغون الشرق الأوسط حيث من خلاله تستطيع الولايات المتحدة ادارة العمليات في افغانستان وباكستان والضغط على ايران والابقاء على مضيق هرمز ضمن المراقبة والسيطرة"..
ويؤكد وزنة ان "خريطة الشرق الاوسط ترسم من دون وجود اميركي فاعل وهذا يخيفها حيث ان التغييرات تخلق شرقا اوسط جديدا خاليا من السيطرة الأميركية مع الاشارة الى ان اميركا تخسر مرتين جراء هذه التغييرات:
ـ تهاوي الانظمة التي كانت متحالفة معها
ـ انتكاسة كبيرة جراء ارتفاع اسعار النفط بما يعرض اقتصادها للاهتزاز من جديد وقد رأينا ان هناك مظاهرات في العديد من الولايات"
الاستخفاف بمن خدم طويلا
لا تقيم الولايات المتحدة ـ بحسب ما ظهر ـ وزنا للاشخاص الذين خدموها وخدموا مصالحها لعقود طويلة فعندما ترى ان الرئيس الفلاني اصبح عبئا تسحب الدعم عنه وتحاول ايجاد بديل يحقق استمرار مصالحها التي خدمها هذا الرئيس طويلا.. وهنا يمكن ادراج اخر تصريح للقذافي حيث قال في مقابلة مع ايه بي سي: "اشعر ان الولايات المتحدة خانتني".. مما يعني انه اعترف بخدمتها طويلا وانه اكد ان الولايات المتحدة تخون خادمها.. والمفارقة ان الغرب لم يستقبل احدا من الحكام الساقطين!!
وفي هذا الاطار يمكن الاشارة الى تركيبة المصالح التي كان يحرسها "الرئيس ـ الخادم" وكيف يتخلى عنه "السيد" في النهاية ضاربا به عرض الحائط ومحولا الرئيس الى "ممسحة" مواقف في النهاية عبر كيل الانتقادات ودعوات التنحي بعد ان كان هذا الرئيس يحسب نفسه محاطا بالحصن الاميركي قبل اي حصن قانوني او شعبي.
ويلفت الدكتور وزنة في هذا المجال الى انه "كان واضحا ان هناك تعاونا امنيا واقتصاديا اميركيا مع النظام الليبي وتوج ذلك بزيارة القذافي وتم الاتفاق على بنود تتعلق بالنفط والغاز ومحاربة ما يسمى الإرهاب. كما ان الولايات المتحدة تنظر للمنطقة وبالأخص الخليج الفارسي على انها تشكل الشرايين الاساسية لاقتصادها بحيث ان النفط ومال النفط عنصران اساسيان لاستمرار الإدارة الاميركية وامن اسرائيل" . ويشير الى انه "كانت هناك محاولة واضحة عبر ارسال رئيس هيئة الاركان مولن لتطمين دول الخليج الفارسي انها لن تتخلى عنهم وقد اتصل احد الملوك العرب بأوباما مرتين بأوباما ليحاول دفع الادارة الاميركية للدفاع عن مبارك حتى الرمق الأخير وهذا ما سجل عتابا وتخوفا في الخليج الفاترسي، حيث انه عندما تنتهي مهمة احد الرؤساء الذين خدموا السياسة الأميركية يتخلى عنه الأميركي وهذا ما حصل مع مبارك وزين العابدين وبعض الانظمة التي تتهاوى في عملية التغيير الكبرى"..
*أحمد شعيتو