أكدت الثورات الشعبية العربية المتلاحقة والعارمة بأن هناك عالما عربيا متمسكا بقوميته وعروبته، ومصمم على التخلص من الأنظمة التي تتلاعب بمصيره وتمتص دماءه، والتخلص من النفوذ الأجنبي الذي يسيطر على كل مقوماته وثرواته وبالتالي على مستقبل أجياله القادمة.
فالشعارات التي ترفع في كل بلد من بلاد الوطن العربي التي يثور فيها شعبها ضدّ النظام الحاكم، هي شعارات متشابهة، ومنها شعارات تعود بنا إلى حقبة تاريخية خالدة لا يزال ذكراها يدغدغ الجماهير، على غرار: "ارفع رأسك يا أخي". و"أنا الشعب لا أعرف المستحيلا" وغيرها. وشعار مشترك للجميع "الشعب يريد إسقاط النظام". وفجأة تعود الأغاني والأناشيد الوطنية من حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي لتحتل مكانها الطليعي على شبكات التلفزيون وعلى موجات الأثير.
وفي خضم هذه الثورات يرتفع صوت الإدارة الأميركية نشازا، ليس فقط أمام الشعوب العربية الثائرة، بل أمام العالم أجمع، مستعملا حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن "يوم 18/ 2/ 2011" ضدّ مشروع يدعو إلى إدانة واحدة من أكبر عمليات السرقة في تاريخ الإنسانية.
وقد عبرت عن ذلك سفيرة البرازيل لدى الأمم المتحدة ورئيسة مجلس الأمن لهذه الدورة، ماريا فيفيتي، في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز" في أعقاب الفيتو الأميركي حين قالت: "لقد كان من المقرر لمشروع القرار "الفلسطيني" ليس فقط أن يجزم أن المستوطنات تشكل عقبة في وجه السلام، بل هدفه إرسال إشارات مهمة وعاجلة. أحدها بأن تجميد البناء في الأراضي المحتلة معروض بشكل خاطئ، وكأنه تنازل إسرائيلي، ولكن "التجميد" في الواقع ما هو إلا انصياع للقانون الدولي".
وقد استطاعت إسرائيل أن تعزل أميركا مرة ثانية لتقف وحدها أمام العالم حيث كانت الأولى عندما دفعتها لغزو العراق. وظهرت هذه العزلة ثانية حين صوتت 14 دولة في مجلس الأمن من أصل 15 إلى جانب مشروع القرار الفلسطيني. وفي نفس الوقت أعلنت 130 دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تأييدها لمشروع القرار هذا، في حين قررت إدارة أوباما أن تخذله باستعمال حق النقض. فهل حلفاء أميركا الأساسيين كلهم، والعالم بأسره، على خطأ وهي على حق بما فيهم دولا حليفة مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا؟
وهل التبرير الذي تحدثت عنه سفيرة أميركا لدى الأمم المتحدة، سوزان رايس، وهو أن تمرير القرار سيعيق تقدم السلام بالمنطقة، مقنع؟ فالسلام في المنطقة لم يتقدم خطوة واحدة منذ تبناه الرئيس أوباما. بل سمعنا الكثير من الخطب والأفكار الرنانة، ولكنها ضاعت جميعها بسبب تخاذل الرئيس أوباما في أكثر من موقف بالنسبة للمستعمرات اليهودية، والتي حددها هو بأنها عقبة في وجه السلام. والموقف الأميركي المتخاذل هو الذي خلق عدم التقدم بالمسيرة السلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مما أدى إلى وجود فراغ سياسي وضعضعة أمنية.
ووجهت إسرائيل للرئيس أوباما أكثر من صفعة في ما يتعلق بالمستعمرات اليهودية، لا حاجة لذكرها مجددا، ولكنه لأسباب كثيرة كان دائما يتحاشى اتخاذ موقف صارم ضدها، حيث تبين أن أي تحرك أساسي ضدّ المواقف الإسرائيلية معناه تغيير في الإستراتيجية الأميركية.
فرغم أن معظم المواقف التي أتخذها الرئيس باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، ومبعوثه الخاص للشرق الأوسط، جورج ميتشل، لا تتعارض في الأساس مع ما جاء في المشروع العربي الذي قدم لمجلس الأمن، إلا أن إدارة أوباما قررت قتله بحجة السلام أيضا، وبالتالي أسقطت عن وجهها قناعا مهما، في فترة تاريخية مهمة يمر بها الشرق الأوسط الآن وتتهاوى رموز حلفاء واشنطن فيه وتظهر على الساحة بشائر "الشرق الأوسط الجديد" الذي يقوم ببنائه أولاده.
وكل من يعود إلى توصيات لجنة جورج ميتشل المتعلقة بالمستعمرات اليهودية سيتأكد أنها لا تختلف كثيرا عن المشروع الذي قُدم للأمم المتحدة، فقد أوصت هذه اللجنة بضرورة تجميد كل البناء في المستعمرات اليهودية، وإزالة ما يسمى بالمستعمرات العشوائية التي أقيمت منذ شهر آذار/ مارس 2001، حسب ما أقر في المرحلة الأولى من خارطة الطريق.
وأكثر من ذلك: ألم تصف وزيرة الخارجية كلينتون البناء في المستعمرات بأنه: "عمل غير شرعي ويشكل عقبة أمام المسيرة السلمية التي تقودها إدارة أوباما"؟ وماذا جاء في مشروع القرار الذي نحن بصدده: "وإذ يؤكد من جديد أن جميع الأنشطة الإستطانية الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، غير شرعية وتشكل عقبة رئيسية أمام تحقيق السلام على أساس حل الدولتين".
وبلا شك إن هذا الفيتو أظهر للعالم أن إدارة الرئيس أوباما تدعم المستعمرات اليهودية وتدعم توسيعها، وتعطي دفعة قوية للحكومة الإسرائيلية المتطرفة الرافضة لكل الحلول التي حاولت إدارة أوباما تحقيقها. وهذا الفيتو لن يقنع أحدا أن المشروع المقدم سيفشل المسيرة السلمية، كما أن إدانة العمليات الاستعمارية في الأراضي الفلسطينية لن يفشل عملية السلام، وقد يكون عاملا ايجابيا في هذه المسيرة.
وموقف أميركا هذا برهن فشل النظرية التي أطلقها أنور السادات في إحدى خطبه في عام 1976 وبعد أن طرد الخبراء السوفيات من مصر، وتبنتها العديد من الدول العربية وهي أن "99 بالمائة من أوراق الحل في منطقة الشرق الأوسط بأيدي أميركا". ولكن بعد تجربة أكثر من أربعين سنة من تلك المقولة، وتبني أميركا "للسلام في الشرق الأوسط"، لم يتقدم هذا السلام ولو خطوة أساسية واحدة. بل ساعد السلام المصري- الإسرائيلي في زيادة تطرف إسرائيل وتصلبها في رفض كل مشروع يؤدي إلى السلام بما في ذلك "المبادرة العربية".
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: كيف ستسير الأمور في المنطقة في أعقاب الفيتو الأميركي، وعلى ضوء الثورات التي تجري في الوطن العربي؟ لقد حاول الرئيس أوباما أن يعيد الثقة الأميركية لدى الشعوب العربية والإسلامية، خصوصا في أعقاب خطابه المشهور في جامعة القاهرة، ولكن الذي حدث هو أنه سقط في أول امتحان جدي فاستعمل حق النقض بموضوع كان هو الذي أثاره عالميا. وبالتالي فإن مصداقية أميركا بقيت في مكانها رغم تفاؤل البعض بأن الرئيس أوباما سينقذ هذه المصداقية التي اختفت شبه كليا على أيدي الرئيس الأميركي السابق جورج بوش.
وفقدان المصداقية في هذه المرحلة التاريخية، سينعكس سلبيا ليس على الولايات المتحدة فحسب، بل على الداعمين لسياستها في المنطقة.
**د. فوزي الأسمر