رياح التغيير لا رياح التعبير !
في خطابه الذي يكاد يكون الأخير, لم يشر القذافي إلى أن رسالة الشعب الليبي العظيم قد وصلت إلى مسامعه ليفقهها عقله المغلف, يريد من الشعب العظيم الرقص والفرح والمرح!! ليس ما جاء به القذافي خارج سياق العقلية التي نعرفها وعشنا معها أربعون عامًا فما يزيد ولو تحدث بغير ما تحدث لأصبح لدينا شكوك بان القذافي بدء يفهم الرسالة .
خطاب مخجل لنهاية دكتاتور بل طاغية كبيرة عرفتها الشعوب العربية, ستار يزاح في فصوله الأخيرة عن هذا الرجل وعائلته الذين حجبوا شعبًا وبلدًا وحكموهم بالنار والحديد وبددوا الثروات وقتلوا المواطنين في مجازر لن ينساها التاريخ كما لن ينساها الشعب الليبي, لكنها ستكون بارقة أمل جديدة بتاريخ شعب تجاوز الرصاص, بل الطائرات والدبابات وكافة أشكال القتل ليقول: " فليسقط القذافي "؛ وقد أسقط السواد الأعظم من الأراضي الليبية بعيدًا عن بطش هذا الطاغية, ولن يتوقف حتى الوصول إلى مقر الزعيم المجنون ليقف أمام الشعب ويحاكم ويعدم في الساحات هو وأبنائه بجرائم حرب ارتكبها ضد شعب بأكمله, ليبقى هو وعائلته فوق الجميع ناهبا لأموالهم وأعراضهم حاكما لأرضهم وبلادهم غير مبالي بما يحدث.
رياح التغيير هي؛ لا رياح التعبير, فقد تجاوزت الشعوب مرحلة التظاهر لتعبر عن مكنوناتها لتذهب بعد انفضاض مظاهراتها إلى بيوتها وكأن شيء لم يكن. انتهى هذا العهد وبات التغيير هو المطلب الأساسي للشعوب العربية المقهورة. عزمت الشعوب على الخلاص من عبوديتها لتعلن عن رسم خارطة وطن عربي جديد ينال به الحرية والديمقراطية والعيش بكرامة واستقلالية .
لم يعد مقبولًا التعبير دون أن يتبعه تغيير, فالشعوب ملت وقطعت على نفسها الوعود بأن لا عودة للحقبة السوداء. مئات الألوف من الشعب اليوم تتظاهروا في ميدان التحرير, ميدان الثورة المصرية الباسلة التي أسقطت فرعون, تونس تنتفض من جديد لتعلن أن الثورة لم تقم ليلتف عليها أحد وأن ما يحدث من سرقة لانجازات هذه الثورات العظيمة غير مقبول, بل ومحرم على كل من يتلاعب بها وأن يستمر في غيه وخداعه. فالشعوب العربية استيقظت ولن ينام جفن لها طالما لم تلمس ثمار ثورتها وهي تثمر لتمحو طعم حنظل مرا ذاقته الشعوب عشرات السنين.
الأردن اليوم تخرج لتنضم إلى الركب في مظاهرة كبرى تسبق غيرها من المظاهرات السابقة لتكبر يومًا بعد يوم, ولا يزال اليمن خارج عن نطاق سيطرة طاغيته, البحرين تنفعل بكل يوم أكثر فأكثر موريتانيا تطالب بالإصلاح أو الرحيل .
شعوب تنتفض لتغيير ما آلت إليه أوضاعها بعد عقود من الزمن ظن الأعداء بأنها شعوب قد ماتت, حياة جديدة تدب في شرايينها لتقول للعالم إننا هنا باقون ولو مرت علينا السنون والعقود لن تبقينا في غفلة نائمون, نحن هنا ثائرون لننفض عن أنفسنا غبار الذل والمهانة والعبودية التي ظننتم أننا استكنا لها, وباتت في عرفنا قدر محتوما لنا.
كل قطرة من دماء أبنائنا بالوطن العربي هي أغلى آلاف المرات من الطواغيت ومن عائلاتهم ومن كراسيهم وأموالهم .
هي الحرية لا بد لها من ثمن؛ " وأي ثمن؟ ", فما أغلاك يا حرية وما أغلاك يا وطن, وكم هو مرتفع ثمنك أيتها الأوطان, نموت لنراك حرة أبية حتى من أبنائك الذين ختم الله على قلوبهم ليتلاعبوا بك اشد من تلاعب المستعمرين والغزاة.
إنها تغيير لا عبير, فلتصل رسالة الوطن العربي لكل من تعنيه هذه الرسالة فهي الفرصة الأخيرة لمن ليفهم ويعقل بان للشعوب كلمتها .