الإعلام الفلسطيني بين المهنية والكمية
سبق وأن تحدثت في مقال سابق عن الفضائيات في الوطن العربي التي انتشرت حتى أن المواطن العربي لا يعرف أحياناً أسماء بعضها ، هذه الفضائيات التي تشكل ملاذاً آمناً لبعض فرسان الفضائيات ، وأخرى مصدر مالي وتجاري ، وأخرى كنوع من الترفيه وتفريغ الطاقات ، المهم أنها أصبحت بلا أي لون أو طعم أو معنى خاصة مع التكرار ، حيث أن كُل الفضائيات مثل بعضها إلا ما رحم ربي .
ولقد كان للإعلام الفلسطيني النصيب الجزئي في هذه الحالة ، فقد شهدنا انطلاق عدد من الفضائيات الفلسطينية منها السياسي والتجاري والفصائلي ، وكذلك الإنتشار الواسع للإذاعات والصحف والأهم من ذلك المواقع الإلكترونية ، والتي بالمناسبة يتم إنشاؤها وفق أهواء البعض دون وجود ضوابط أو قوانين أو رقابة تجعل من المادة المنشورة مرجعاً للتنقيح خاصة أن الكثير مما يُنشر يسيء أحياناً للمصلحة العامة أو لأشخاص بحد ذاتهم أو لفصيل أو حتى لمؤسسات .
وانتشرت وسائل الإعلام الفلسطينية في ظل حالة الفوضى التي سادت في الوطن ، حيث حدثت أحداث الإنقسام عام 2007م ، مما أفرزت حالة بطالة لدى البعض جعلت من وسائل الإعلام متنفساً لهم ، ومصدراً للهجوم على البعض ، سواءاً كان هذا البعض هو السلطة الوطنية أو الفصائل ، أو حتى الأفراد والجماعات ، وشكل انتشار هذه الوسائل سوقاً واسعة لوصول البعض لأهدافهم ، في ظل عدم وجود جسم رقابي يتابع ما يُنشر أو يراقب ما هو مهني أو أخلاقي أو وطني .
إننا أمام حالة انتشار واسعة لمئات المواقع الفلسطينية التي تسمي نفسها مواقع إعلامية ، منها من يديرها إعلاميين أو صحفيين مهنيين ، ومنها من يديرها إنسان مجهول ، ومنها من يديرها شخص عادي أحب أن ينصع موقعاً ليفرغ طاقاته به ، وهذا بالتأكيد جعل مهنة الصحافة والإعلام في فلسطين جزءاً من حالة الفوضى العامة التي شملت كُل المؤسسات الوطنية الفلسطينية ، وحتى المؤسسات الأهلية التي تكون بعيدة عن السياسة في بعض الأحيان .
إن المصيبة اليوم تتمثل في وجود عشرات المؤسسات الإعلامية الغير مُرخصة ، ومئات المواقع التي تكتب ما تشاء ومئات الأشخاص الذين يدعون أنهم صحفيين أو إعلاميين وهم في حقيقة الأمر غير ذلك ، لأن عنوان الصحفيين واضح وصريح ، والجهات النقابية المتخصصة لها عنوان واضح ويجب أن يمر كُل هذا من خلال منظومة قانونية ومهنية ومرجعية تعمل وفق حاجة الوطن لمثل هذه المؤسسات والمواقع والصحف .
إن نظرية الكمية قد سادت في كُل مناحي حياتنا ، فالكل يعمل سائق تاكسي ، والكل باع ما يملك وقام بشراء توكتوك ليوزع عليه البضائع ، والكل أصبح يتحدث بالسياسة ، والكل أصبح مفتي شرعي وقانوني ، وبالتالي فإن مهنة الصحافة شابها نفس الكل ، عشرات الأسماء التي تتحدث بلسان الصحفيين والمؤسسات الصحفية وللأسف الشديد ليس هناك من رقيب .
بالتأكيد ما أوصل العالم العربي لهذه الحالة هي الفوضى الإدارية ، وعدم وجود قوانين ولوائح تحدد الإحتياجات ، وتعطي الحقوق ، وتأخذ الواجبات وفق رؤية الأصل فيها المصلحة العامة ، لهذا فإننا أمام كارثة حقيقية لم نتعلم منها في السابق ، وسوف تلاحقنا في المستقبل إذا ما تم العمل الجاد لترتيبها ، من خلال أشخاص يحكمون ضمائرهم ويحترمون تضحيات من سقطوا شهداء وهو يدافعون عن هذه المبادئ .
صحفي وكاتب فلسطيني