رياض الصلح، المحامي الدارس في اسطنبول والمتحدِّر من عائلة وجهاء "كانوا في عداد الطبقة الحاكمة في ظلّ العثمانيين (...) وكانت أصولهم من صيدا، ويشعرون بنفس الإلفة إن كانوا في الداخل السوري (حيث لهم روابط عائلية وتجاريّة وسياسيّة) أم على الساحل"، وعلى صورة العديدين غيره من وجوه الحركة الوطنية العربيّة الصاعدة بعد الانهيار المؤسّساتي للسلطنة العثمانية، يتمتّع بهويّة ومخزون فكريّ مركّبَين. كان جدّه والياً وعضواً في البرلمان العثماني ليصبح، بعد الحرب العالمية الأولى، وزيراً في حكومة الأمير فيصل في دمشق. تنتسب زوجته إلى آل الجابري، العائلة النافذة في حلب. لذا كان من الطبيعي أن يجِد نفسه في مواجهة الإشكاليات الشرق أوسطية في مطلع القرن العشرين: تفكّك "الولايات العربية" والبروز المأساوي لقضية فلسطين.
المملكة المتحدة وفرنسا المنتصرتان في العام 1918 كانتا في حال تواطؤٍ وتنافس في آنٍ معاً حول تقاسم التركة العثمانية. فأرسيت الهيمنة الاستعمارية وسط مناخٍ من العنف تحت غطاء انتدابات عصبة الأمم (SDN)، زادها تعقيداً النزاعات بين العواصم الغربية. وكان رياض الصلح، بين جنيف وباريس ونيويورك، من أشدّ المدافعين عن حركات الاستقلال التي ظهرت في كلٍّ من دمشق والقاهرة وبغداد وبيروت.
قاده تعطّشه للسيادة الوطنية للانضمام إلى الوفد السوري الذي حصل على الاستقلال، وكذلك للانخراط في المسار الذي جعل منه أحد آباء الاستقلال اللبناني الذي كان يطمح لبنائه بعيداً عن الانطواءات المحليّة العصبيّة التي ناصبها العداء. "كان يكره مبدأ النظام نفسه: الطائفية عدوّة للحرية. ورغب في عدم سماع كلمة "مسيحيّ" أو "مسلم"، بل فقط "مواطن" لأنّ الطائفية تؤدّي إلى استشراء الفساد".
وحول ظروف اغتياله الغامضة عام 1951 في عمّان، يذكّر سيل بـ"الافتقار إلى التحقيق الجديّ" واختفاء المحفوظات البريطانية والتورّط الإسرائيلي "الذي لا يجب استبعاد احتماله، خصوصاً وأنّ إسرائيل كانت قد صمّمت على اغتياله قبل ثمانية عشر شهراً، وهذا ما يكشف عنه يوسف أرغمان في كتابٍ صدر عام 2007 عن وزارة الحرب الإسرائيلية".
أدّى تفكّك الحركة الوطنية العربية إلى مفاقمة مسألة "الأقليّات" التي طالت خصوصاً الطوائف المسيحية. وبين 1958 و1964، أدرك اللواء فؤاد شهاب تلك المخاطر، وكان أحد الرموز الوطنية في النخبة العسكرية. يستعيد نقولا ناصيف [2] فترة رئاسته للجمهورية اللبنانية والتحديات التي واجهها لبناء المؤسّسات الرسمية في لبنان الباحث عن حجر الفلسفة: السيادة ضمن الانفتاح والتضامن وتجاوز الطائفية.
هكذا مثّلت "الشهابية" أشكال تنمية ترتكز على إرادة التماسك العربي الجامع، فيما يتجاوز الفروقات ونزعات السيطرة الطائفية. ولكن ستنتهي المحاولة إلى الفشل مع هزيمة 1967 والحرب الأهليّة عام 1975. لم يكن لدى شهاب أوهام على هذا الصعيد: "الناس، وخصوصاً المسيحيّون، لم يقتنعوا أبداً بما كنت أحاول بناءه".
فهل صرخة عالم الاقتصاد المنفي كمال ديب [3]، القلق من "سقوط لبنان المسيحي - هذا الجسر العتيق" نداء استغاثة ضدّ العودة المتحشرجة والمفسِدة للمارسات الاستعمارية؟ وهل ستنجح "النخب المسيحية" التي طالما نخرتها هذه الممارسات في تأكيد انبعاث تجذّرها الشرقي باستعادة الروح التي بثّها الآباء المؤسسون؟ وهل ستُحسن المجتمعات الوارثة للسلطنة العثمانية في بناء أشكال تضامنٍ جديدة أو ستنزلق مرّةً أخرى في دوّامةٍ مشؤومة؟
*لوموند دبلوماتيك
[1] Patrick Seale, La Lutte pour l indépendance arabe. Riad el-Solh et la naissance du Moyen-Orient moderne, Fayard, Paris, 2010, 570 pages, 26 euros.
[2] نقولا ناصيف، "جمهورية فؤاد شهاب"، دار النهار/مؤسسة فؤاد شهاب، بيروت، 2008، 610 صفحات.
[3] كمال ديب، "هذا الجسر العتيق، سقوط لبنان المسيحي؟ 1920-2020"، دار النهار، بيروت، 2008، 531 صفحة.