بدأت الطبخة تنضج حينما ودع السيئ ابن علي تونس متوجها إلى مأدبة الفارين التي يعدها له أهل الحجاز , لكن العجيب أمر هذا الصمغ المصري الغير مسبوق في شدته وغلظته , إن محاولات الملايين أخيرا نجحت في خلعه عن كرسيه الذي ما انفك يلازم هذا الجسد المترهل .
حكمة بالغة فما تغني التغييرات السياسية لأن المسعى أولا وأخيرا في هذه النسك هو العيش مع القدور حتى ترك الدور .
هذه هي سياسة الساسة من الزعامات , ما فهموا ويبقى وجه ربك , وصل بهم الحد إلى الكفر حينما قال الزعيم المصري الأسبق للناس أنا ربكم الأعلى , استخف قومه فأطاعوه وأخيرا رحلوه وإن لم يفهم فقد خلعوه .
اكتب هذه الكلمات وأنا أرى سيوف الحق المبين من شباب الضمير اليوم شباب الصحوة بعد طول انتظار الذين يذودون عن أسوار حقوقهم , ويقلبون القدور الراسيات في وجه كل منتظر ليأكل من الغنائم مطالبين برحيل عقيدة فرعون الباطشة .
كثرة الغليان مع إحكام الإغلاق قد يؤدي بالقدور إلى الانفجار , وهو ما يسمى في علوم الكيمياء بالانفجار الفيزيائي , فإذا اسقط واقع هذه التجربة على سبب انكفاء القدور أظن ذلك مطابقا تماما لأحداث سلسلة التغيير في هذه المرحلة التي يعيشها الوسط العربي بعد طول زمن من الغليان .
من كان يصدق أن جذور التونسي قلعت رغم إحكام وصلادة تربته , أو حتى يخيل له من سحر الثورة أن هذا المصري المزروع بأرض فولاذية من فخر الصناعة الأمريكية المعدنية سيصهره غضب الملايين من الجماهير والحرارة العالية التي تنبعث من المتشوقين لتغيير نظام "ما هو بتارك".
عدوى الشعوب الثائرة الذي يؤرق أنظمة الحكم ويصيبهم برعشة الحرارة تتضاعف أعراضه مسببا الوفاة , فلا تترحم على ميتهم .أتدري لماذا ؟ لأنهم لاموا شعب فلسطين الغزي حينما ثار على الظلم وحسم الموقف مع أصحاب القدور , ووجهوا له كلمات وأوصاف كالانقلابية , لهذا كان لشعب فلسطين بالعموم وأهل غزة بالخصوص شرف تعليم الشعوب الرسالة الأقوى في توجيه الأمة كيف تكفئ القدور , فهو يلهج نعم للجوع دون ركوع , ومرحبا بالموت دون خضوع , حاصر كما شئت , اقصف اضرب لا ترحم , سأخرج لك لأعلمك كيف تسترد الحقوق .
بل هو الشعب الأول في هذا القرن الذي حسم معركته مع تجار الأرض الذين ما فتئوا يلهثون وراء السراب بتنازلاتهم المخزية وانسلاخهم من الوطنية بكل جرأة وبلادة , فكان نصيب غزة أن كانت المضاد الحيوي الأنجح بعد إجراء عملية استئصال جراحية لهذا المرض الخبيث .
لقد كان لأبناء الدعوات الصادقة التي قدمت صفوفها الأولى وقودا للمرحلة الفضل كله بعد الله في حشد طاقات الأمة نحو القضية الأم والمفصلية لكل شاهد لربه بالألوهية ولنبيه بالرسالة المحمدية, ولذلك فإننا اليوم على أرجوحة التفاؤل التي تمكن للإسلام ولأصحاب المبادئ في هذا الزمن .
اضرب من في حمص يهابك أهل الشام, مقولة حكماء عاشوا ضربات الثورة وظلم الباطشين , إذا فاضرب يا شعب تونس يتبعك المصري السابق والليبي اللاحق , ومن ستنكفئ قدورهم عن قريب.
أما حامل صحنه منتظرا نزول الغنيمة وتصاعد بخارها ليحصد النتيجة , وقد كان فيما سبق كالنار تأكل دون شبع , يفرط دون إحكام للسجع , متهاون جدا في حقوق الواقفين سنين وهم ينتظرون النصر والخلاص من الظلم والاستبداد , فيكفيه قولي ارحل فالأمة تريد اسقاط الهزيمة ولّى زمان الوثائق وبدأ زمان البنادق .