ثورة فى مهب الريح
قسما بكل قطرة دم مسالة وخدش على وجه الشهيد ألا نتهاون ولا نستكين حتى تنتصر ثورتنا وتحقق أمالها فإما انتصار الثورة، وإما الفناء. مصر الحرة لاتتسع الآن لطاغية وحر مهما كلفنا ذلك من ثمن. ذاك هو القسم، وتلك هى المحاولة لقراءة علمية بين مهنتى ومسلكى حيث يوجد أوجه تشابه وعلاقة بين العلوم التجريبية والعلوم الإنسانية، والجيولوجيا مثالا واضحا، والعلاقة والتشابه واضحان بين الزلازل والثورات. الزلازل هى ثورة الأرض، والثورة هى ثورة البشر. فالزلازل والثورات هم أفعال تحتية غير مرئية، تبدو لها نذر مجهولة توقيت الحدوث. الزلزال يحدث نتيجة ضغوط وانكسارات فى باطن الأرض، والثورة كذلك تحدث نتيجة ضغوط وانكسارات فى النفس البشرية.. كلاهما يتراكم بشكل غير مرئى. وعندما تبلغ الضغوط والانكسارات مداها العميق بالقرب من قلب الأرض تثور البراكين.. لاتبقى ولاتذر، فكل بركان يصحبه زلزال وليس كل زلزال يصحبه بركان، وللزلازل درجات وتدرج، كل درجة حسب قوة الضغط وشدة الانكسار، وللزالزل توابع وعلى قدر كبير من الخطورة، كما أن للثورات توابع لكنها غير مقدرة عند من يريدون حرق المراحل والسيطرة على الثورة وإخمادها، تارة باسم الاستقرار وأخرى باسم الحرص على الانتاج، كلاهما كاذب فمن بدأ الفعل الثورى من أجل التغييير غير من آل إليه نتيجة الفعل الثورى لبداية التغيير، ومن يصنع ليس كمن يُسَوق، فى الأولى معاناة وتخليق وفى الثانية ترتيب وعرض، ولايتساوى صانع الفعل الذى هو جزء منه بعارض الفعل الذى آل إليه بحكم مهنته، لايتساوى.. مهما بلغ تقدير العارض لدور الصانع.
ثورة الخامس والعشرين من يناير هى زلزال بلاتوابع حتى هذه اللحظة، وفى العلوم الجيولوجية وعند وقوع الزلازل توقع التوابع وارد، ويعمل العلماء والمختصين على تجنبها أو ملاقاته بأقل قدر من الخسائر. ولا يمكن أن نواجه التوابع بتهديد الأرض بالضرب أو بسد الشروخ الأرضية بطبقة من الأسفلت، فأساس الحركة مازال يعج داخل الأرض. وثورة 25 يناير الشعبية التى فجرها شباب مصر هى ملحمة فى حب مصر هى ثورة مثقفة واعية بمخاطر الفعل الثورى، تجنبته ومازالت حريصة على برائتها ونظافتها، وهى نفس الثورة تحاول تجنب توابعها إلا أن تصرفات المجلس العسكرى مع الثوار هى التى ستأتى بتوابع أخطر من الزلزال الرئيسى الذى هز مصر طربا وداعبها ودا وحنانا. ثورة 25 يناير قام بها شباب واع وانضم إليها المصريون بعشق الوطن والحرص والمحافظة على المنشآت العامة والخاصة والبشر، ولم يصب شيء بسوء أثناء الثورة باستثناء مانهبه وحرقه وقتله أعداء الشعب عبيد النظام الفاسد بلطجية وزارة الداخلية المدعومين من لصوص المال المدعويين كذبا برجال الأعمال، ولم ينضم للثورة أحزمة الفقر ولا أحزمة العشوائيات المهمشين، الذين عانوا مرارة الحرمان من نقص فى المال والخدمات الآدمية وذل فى الحياة من قِبل طبقة قليلة تملك الثروة والسلطة. وهم لايتمتعون بقدر من التعليم يقيهم خطورة الانزلاق إلى الجحيم والتفريق بين ممتلكات هى ملك لهم وممتلكات كانت شاهدة على ذلهم، وهم دائما عود الثقاب الذى يشعل فتيل الثورات، ولحسن الحظ لم يشعلوا فتيل الثورة ولم يشاركوا فيها حتى الآن. وليس معنى هذا أن البلد فى مأمن حيث بدت ملامح التعدى من بعض سكان العشوائيات على ممتلكات الآخرين فى أطراف الجيزة والقاهرة وبعض المحافظات النائية، وهذا مانخشاه ونحذر منه فهذه هى التوابع الأشد خطرا على الثورة ومصر، فتحول الثورة إلى فوضى والدولة إلى حطام.
وفى المشهد تحركات احتجاجية لمجموعات فئوية لم ترفع راياتها فى الثورة، وكان المطلب الرئيسى للثورة هو إسقاط النظام ورحيل مبارك.. أى الحرية قبل لقمة العيش. عان وصبر المحتجون أعواما كثيرة، وكانت مطالبهم: إصلاح أحوالهم الاجتماعية فى ظل نظام بائس، وعندما حوالهم الاجتماعية أ قرأوا وسمعوا عن مليارات نهبها رئيسهم المخلوع وأسرته الفاسدة وحاشيته، مسهم الجن وطار صوابهم واصروا على الخروج والحصول على حقهم قبل العودة للعمل، وكيف يستمرون فى العمل وحقوقهم ضائعة، ونزيف الأموال مستمر فى هروبه إلى خارج مصر. العشوائيات ومن هم تحت خط الفقر والاحتجاجات الفئوية هى توابع لثورة طاهرة بريئة لكنها أشد خطرا وأكثر تأثيرا بالسالب على مصر وعلى مسيرة الثورة، ومن الظلم أن نلوم جائع على المطالبة بحقه ونترك اللصوص ينهبون أمواله ويتمتعون بها فى أوربا وأمريكا. مظالم كثيرة تسبب فيها نظام الطاغية اللص مبارك لابد من إنصافها، مبارك افسد كل شيء وأسس نظام النهب المالية والدولة اللصوصية فى قواميس العلوم السياسية والاقتصادية.
فى تلك الأزمة يطالب الجيش بالهدوء والاستقرار والعودة إلى العمل وإلى الحياة الطبيعية حرصا على مستقبل مصر. ونسمع عن مطالب بعدم الحديث عن فساد مبارك وأنه رجل وطنى تنازل عن عرشه طواعية حرصا على مصلحة الوطن.. ياربى رحماك، وماذا عن عناده وتحديه لشعبه وتغيير الدستور وتفصيله على مقاس ابنه؟ وماذا عن سرقة أموال الشعب وتهريبها للخارج؟ نريد تعقبا لمن أجرموا فى حق الوطن والتحفظ عليهم وعدم السماح لهم باستخدام الفضائيات، فتلك هى المرة الأولى فى التاريخ التى يسمح لأعداء الثورة بالحرية والأحداديث الفضائية، والسؤال هل هذه ثورة لصالح مصر أم لصالح أعداء مصر؟ بقايا عصابة الحزب اللا وطنى تملك المليارات ويمكن أن تشترى فضائيات تعمل لحسابهم تبيض وجوههم الكالحة وتنظف أياديهم القذرة القاتلة الملطخة بدماء الشهداء، ومن يتركههم ويسمح لهم بالظهور فى الفضائيات بزعم أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته وأنه لايوجد قرار اتهام من النائب العام فهذا يطعن الثورة فى مقتل ويعرض مصر للخطر، وللثورات شرعية تحمى بها نفسها، ولأن ثورتنا من نوع خاص ءأتمنا عليها جيشنا الوطنى ولا نظن لحظة أنه يفرط فيها لاعدائها ويتركهم يمرحون ويعودون لغيهم مرة أخرى.
نعم نحن نريدها ثورة لافوضى ونسعى لتكوين لجان تنشر الوعى وتطالب بالصبر على تحمل المكاره من أجل مستقبل أفضل، ولن تؤتى ثمار ماندعو إليه والجيش يترك الفاسدين يمرحون ويطيرون إلى الفضائيات، ويطالب باحترام رئيس لص وعميل وخائن، جيش نحترمه ونقدره وهوجيش مصر لاجيش الرئيس المخلوع، يتحدى فى تلك اللحظات الشعب ويسمح باستمرار وعدم تغيير حكومة شكلها الطاغية قبل سقوطه. قبل أن يطالبنا الجيش بعدم التظاهر والعودة للحياة الطبيعية عليه أولا أن يزيح حكومة الحزب الوثننى الساقط فهى رمز لعصابة أذلت البلاد والعباد، ويتحفظ على مبارك وأسرته وحاشيته وتقديمهم لمحاكمتهم، وعلى الجيش أن يتذكر أنه جيش مصر الذى هو جزء منا، مداده من المال والشاب من مصر وأبناء مصر، وهو حامى حمى الوطن وليس وصيا على الشعب.
لانريد الفوضى ولا الانقضاض على الثورة، وعلينا أدراك أن أعداء الثورة المليارديرات المستفيدين من فساد العهد البائد المتربصين بها ينتظرون فرصة للانقضاض عليها وتشويه وجهها، وأدوارهم واضحة فى استغلال الاحتجاجات الفئوية والدفع بالمهمشين والفقراء إلى نهب المال العام والخاص، وطالما هناك مظالم لم ترد لأصحابها، وتحد لمشاعر من بذلوا دمائهم من اجل مستقبل أفضل، حتما ستعم الفوضى، والمسئول عنها الأول هو الجيش حامى الثورة.
الثورة فى مهب الريح بالبطئ والتعنت فى تلبية مطالبها من قبل المؤتمنين عليها. لاعودة للوراء، دفع الشاب مقدم الثمن ونحن نستعد لدفع باقى الثمن للحصول على حريتنا كاملة. كل عرف طريقه، وشجرة الحرية تعودنا أن نرويها بدماء شهدائنا الذكية لابدماء أعدائنا، فشجرة الحرية الطاهرة لاتروى بدماء خبيثة لذلك فالثورة حريصة على عدم إراقة تلك الدماء الخبيثة. من يريد إيقاف المظاهرات والاعتصامات ويحافظ على استقرار البلاد عليه بإزاحة حكومة الطاغية مبارك من صدارة المشهد السياسى وكل من ينتسب لها. من يتحدث عن الثورة وعن مزايا مبارك يهين الثورة ويضربها فى مقتل ويكون كمن يحتضن الثورة ويطعنها من الخلف. مع الثورة ومع الثوار ونلبى ندائهم لآخر قطرة من دمائنا، إنهم أبناؤنا فلذات أكبادنا أغلى عندنا من كنوز العالم وتتساوى قيمتهم مع قيمة حرية الوطن ودحر الطغاة.