من جمهورية مصر العربية وتحديداً من ميدان التحرير بالقاهرة سقط نظام حسني مبارك، ثاني حاكم عربي تطيح به انتفاضة خلال شهر واحد، بعد انفجار شعبي هائل فاجئ المحللين والسياسيين في تونس، في حدث هو الأول من نوعه في المنطقة، لكنه بالطبع ليس فريداً في ذاته، وقد يتكرر مجدداً ومصر كانت الثانية، هذا النظام الذي استمر 30 عاماً، والذي يُعتبر الحليف الأقوى في المنطقة لأميركا وإسرائيل، ساهم بشكل كبير ومباشر في تكريس مبدأ سياسي واقتصادي غربي بامتياز، كان يهدف إلى تأمين وخدمة الكيان الصهيوني في العمل على تمكين سياسته وإنهاء قضية الشعب الفلسطيني عند العرب بالتواطؤ والخيانة، وهذا موقف كان جلياً في حرب غزة عام 2008م، مروراً بسياساته الداخلية تجاه شعبه بعنوان - جوع شعبك يتبعك - كما يصورها بعض الإعلاميين، والتي أدخلت البلاد في حالة من الركود كان من شأنه عمل انسداد في كل مناحي الحياة مما تسبب في انتشار الفساد والظلم داخل أجهزة الدولة.
هذهِ الثورة التي قادها شباب مصر أصبحت اليوم أنموذجاً يُحتذى به ِ عند الشعوب العربية التي انتفضت من الداخل في نقطة تحول سريعة أيقظت الأمة من سبات الخنوع والسكوت والمطالبة بالحقوق والكرامة. فوجود المعارضة في أي نظام سياسي هو أمر حيوي وصحي لاستمرارية هذا النظام، إذ أنّ المعارضة في أي نظام قائم تُعتبر المرأة التي يرى فيها النظام مساوئه وعيوبه، بحيث يستطيع تطوير أدائه السياسي والاقتصادي بشكل مستمر ومتواصل، وهذا لا يتوفر إلا من خلال مناخ واسع من الحرية يُتيح للشعوب المشاركة الفاعلة في بناء أوطانها وبلدانها.
لذلك الإرادة الصلبة التي تأتي من الداخل والتي تفرضها واقع المجتمعات المضطهدة لا تستطيع أن تقف أمامها أي قوة أو سلطة مهما صورت أنها تملك من الاستبداد والترويع والقتل الكثير، لأن نقطة التحول التي نشاهدها هذهِ الأيام في العالم العربي والتي أشعل شرارتها شعب تونس، أعطت شباب مصر الشجاعة والإقدام فكانت البداية من هنا.
رؤية جديدة من أرض الكنانة:
التكهن بمصير العالم العرب بعد التغييرات السريعة والمدهشة على صعيد الثورتين التونسية والمصرية وخصوصاً المصرية نظراً لمكانتها وما تمثله من موقعية دينية وسياسية في العالم العربي، حتماً نـحو الأفضل، وتخدم شعوب المنطقة بشكل أساسي وكبير لو تم استثمارها بالشكل المناسب وفي الطريق الصحيح، وهذا ما نلحظه من خلال سباق بعض القادة العرب لإرضاء شعوبهم عن طريق الإصلاح وعبر زيادة مستوى الفاعلية والحوافز وتقديم وعود بتحسين مستوى المعيشة وتخفيض نسبة البطالة، فالتغيير الذي يجب أن يدركه الحكام ليس عملا لحظيا أو تكميما للأفواه وإنما فعل تراكمي وتصاعدي يشمل جميع مناحي الحياة، وهو نتيجة حتمية لوعي عام متنام تفرضه الأحداث والوقائع على الساحة.
ومن الخطأ بمكان أن يتصوّر الحكام أنّ ما أقدم على فعله شعب تونس ومصر هو رهن باللحظة الراهنة حتى يتم التعامل معه في حدود المسكوت عنه، بل هو وليد جديد واستراتيجي بامتياز، سوف يصنع ويرسم ويولد الجغرافيا والأفكار والمنهج في المنطقة العربية برؤية جديدة واستشراف أفضل يتناسب مع مكتسبات ومستقبل هذهِ الأمة، ويرجعها في نفس الوقت إلى مصاف الدول المتقدمة بإرادة الشعوب أنفسهم. وهي بالتالي رسالة تحذير إلى الأنظمة المستبدة والظالمة في الوطن العربي لا تظلموا شعوبكم فالعالم لن يرحمكم.
صادق راضي العلي