أجرى الصحافي والمراسل البريطاني الشهير ، روبرت فيسك ، حوارا مهما مع الكاتب الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل ، نشرته صحيفة "الإندبندنت" البريطانية يوم الثلاثاء ، وصف هيكل فيه بأنه محارب وكاتب حكيم ، وربما أهم مؤرخ وشاهد على تاريخ مصر السياسي الحديث.
ونقلا عن "وطن" الثلاثاء ، فقد تحدث هيكل في هذا الحوار عن خطايا النظام السابق ، بعد أن أبعده هذا النظام وعتم عليه لسنوات طويلة.
يقول هيكل ، البالغ من العمر 87 عاما ، إن "مبارك خان روح الجمهورية ، وبعدها أراد استكمال الخيانة من خلال نجله جمال"، مضيفا "لقد كانت خطة ، مشروع بأكمله وليست مجرد فكرة ، هذا البلد ضاع منه آخر 10 سنوات، بسبب مسألة التوريث ، وكأن مصر هي سوريا أو هاييتي".
أهم ما يميز هيكل أنه يتمتع بذاكرة حادة ، وتحليل سياسي ثاقب ، كما كان هيكل واحدا من أهم رجال الدولة في عصر كل من الرئيس جمال عبد الناصر وأنور السادات ، كان هيكل متنبئا بانفجار حتمي في مصر، تحت وطأة فساد وعنف نظام مبارك.
ورغم أن ذاكرة هيكل وتحليلاته ، تجعل جمهوره من كل الفئات وخاصة الشباب منهم في حالة سكون تام ، وهم يصغون إليه ، فإن أكثر ما يندم هيكل عليه هو فقدانه شبابه ، إذ أكد أنه كان يتمنى لو شارك شباب الثورة ، ونزل معهم إلى ميدان التحرير.
ورغم توقعه للثورة منذ زمن ، فإن هيكل دهش عندما رأى الملايين تتحرك ، وقال إنه لم يكن متأكدا إذا كان سيعيش ليشهد تلك اللحظة ، كان هيكل خائفا من احتمالات الفوضى ، لكنه أضاف "جيل مصر الجديد كان أكثر حكمة منا بمليون مرة ، تعاملوا بتحضر وبوعي وذكاء ، فلم يحدث الانفجار".
"أعطوا أنفسكم الفرصة للهدوء أولا"
وأشار هيكل إلى قلقه الآن بسبب "عدم استعداد أحد للخطوة القادمة ، فقد حدث كل شيء فجأة في الأيام الماضية ، لا أحد يريد للجو أن يهدأ، الكل لديه توقعات وآمال عريضة ، وفي ظل هذه الظروف ، يصبح اتخاذ القرارات الصائبة صعبا" ، وأوضح أن هناك ضغطا من أميركا وإسرائيل ، وحتى من الدول العربية على مصر ، بالرغم من أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة نفسه لم يكن مستعدا لما حدث.
"مبارك وضعنا كلنا في حالة ترقب ، كأنه في فيلم لألفريد هيتشكوك ، لكن مبارك كان يرتجل بدون حبكة ، كثعلب كبير" ، بحسب وصف هيكل ، وقال إنه لم يصدق أذنيه عندما سمع خطاب مبارك يوم الخميس ، لأنه على ما يبدو أن النظام كان يعتقد أنه بمجرد تفويض السلطات لعمر سليمان نائب الرئيس السابق ، سيرحل المحتجون من الميدان.
وأشار هيكل إلى أنه كان راضيا عندما ظل مبارك صامتا في بداية احتشاد المحتجين في ميدان التحرير ، كان يحاول المراوغة كالثعلب ، لكن هذا أعطى الفرصة لزيادة أعداد المحتجين ، لقد بدأ العدد في الميدان بحوالي 50 إلى 60 ألف متظاهر ، ووصل الأمر بهم خلال 18 يوما إلى ملايين ، صمت مبارك غير المعادلة كلها ، لأنه بدا وكأنه لم يفهم الموقف بأكمله حتى مرور أول 6 أيام في الثورة.
ووصف الكاتب الكبير الثورة المصرية بأنها "مأساة تاريخية" ، في إشارة إلى المئات من الشهداء الذين سقطوا ، مؤكدا سعادته لوجود الجيش ، لكن المهم هو وجود الناس ، الذين ما زالوا متحيرين ومندهشين مما حققوه مؤخرا.
يقول هيكل "الفرق بيني وبين مبارك ، هو أنني لم أحاول أبدا إخفاء عمري الحقيقي ، مبارك كان يصبغ شعره ليرى شابا كل مرة ينظر فيها إلى المرآة ، لكن كل الشيوخ يكابرون" ، وأضاف ، "مبارك كان مرعوبا من كشف الملفات الرسمية في حال تنحيه ، ومن أن يتم كشف أسرار النظام".
"أخشى من انتهازية أنصاف السياسيين"
لكن هيكل أعرب عن خوفه من أن يسيء بعض السياسيين إلى هذا الحدث القيم ، مؤكدا أنه يريد كشف كل الملفات للتحقيق بنزاهة فيها ، بدافع الشفافية ، وليس الانتقام ، على ألا يتم تركها لبعض الأفراد لاستخدامها فيما ينفع مصالحهم فقط.
ووصف هيكل أحداث الثلاثة أسابيع الماضية بأنها "ساحقة ، لا يمكن الوقوف أمامها ، ولم يسبق لها مثيل" ، وأضاف "في الثورات ، لا يوجد شكل محدد ، كل الناس تريد التغيير من الحاضر إلى المستقبل ، كل ثورة لها ظروفها بالنسبة لمكان بدايتها وشكل تحركها ، لكن الثورة في مصر بينت أن أعدادا ضخمة من المصريين يمكنها هزيمة الرعب الذي خلقه النظام" ، مشددا على أن هذا سيغير العالم العربي جذريا.
كانت فكرة هيكل عن مبارك جيدة في بداية توليه الرئاسة ، فقد أفرج مبارك عن المعتقلين منذ أيام السادات ، وكان منهم هيكل نفسه ، كما أنه كان رجلا من المؤسسة العسكرية ، وهي تحظى باحترام وشعبية بين المصريين ، وظن هيكل أن مبارك الذي شهد مقتل السادات على يد شعبه سيتعلم الدرس التراجيدي ، أن المصريين عندما يفقدون صبرهم ، ينفجرون، وظن هيكل أيضا أن مبارك رجل مؤمن بروح الجمهورية، وسيكون جسرا جيدا للمستقبل ، لكنه لم يكن.
يشرح هيكل: "عندما قرر عبد الناصر التنحي بعد هزيمة 1967 ، أثبت الشعب أنه أقوى من النظام وأعادوه إلى الحكم ، والآن أصبح الشعب أكبر من النظام نفسه. لكن الجميع ينسى هذه الحقيقة بمجرد اعتلاء السلطة والهدوء المصاحب لذلك ، وبمرور الأيام تنسى قوة شعبك ، وتقبض على السلطة أكثر".
وختم هيكل حواره قائلا: "الآن لدينا أنصاف سياسيين يريدون استغلال الثورة ، ومنهم من بدأ بالفعل في الترويج لأنفسهم ، لكن النظام يجب أن يتغير ، الشعب المصري أوضح جيدا ما يريد ، يريدون شيئا مختلفا".