عاجل:

مصالح تركيا بين الشرق والغرب...

الإثنين ١٤ فبراير ٢٠١١
٠١:٤١ بتوقيت غرينتش
لقد أدت الاحتجاجات العلنية في تونس ومصر، للمطالبة بتعزيز التمثيل الديمقراطي، إلى تحريك عملية التغيير الشامل في المنطقة بطريقةٍ لا رجوع عنها، وتمثل هذه التحركات معايير جديدة لتعزيز حق شعوب المنطقة بتقرير مصيرها وإرساء الديمقراطية، ووسط هذه المعطيات القائمة، يتعزز دور تركيا كلاعب سياسي إقليمي رئيس.خلال السنوات الأخيرة، كان السؤال الرئيس الذي طرحه المراقبون الغربيون بشأن السياسة الخارجية التركية هو الآتي: هل أصبحت سياسة تركيا تركّز على الشرق؟

لقد أدت الاحتجاجات العلنية في تونس ومصر، للمطالبة بتعزيز التمثيل الديمقراطي، إلى تحريك عملية التغيير الشامل في المنطقة بطريقةٍ لا رجوع عنها، وتمثل هذه التحركات معايير جديدة لتعزيز حق شعوب المنطقة بتقرير مصيرها وإرساء الديمقراطية، ووسط هذه المعطيات القائمة، يتعزز دور تركيا كلاعب سياسي إقليمي رئيس.

 

خلال السنوات الأخيرة، كان السؤال الرئيس الذي طرحه المراقبون الغربيون بشأن السياسة الخارجية التركية هو الآتي: هل أصبحت سياسة تركيا تركّز على الشرق؟

 

ظاهرياً، أدّت السياسة الخارجية الواثقة والمستقلة التي يقودها وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو في منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن الخطاب الحيوي الذي يتبناه رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان على مستوى العلاقات التركية مع إسرائيل وإيران، إلى إثارة تعجب البعض في أوساط الحلفاء الغربيين التقليديين لتركيا، لكن بقي هذا السؤال نظرياً. في حين استمرت تركيا بتعزيز تواصلها مع الشرق الأوسط بطريقة غير مسبوقة، بقيت تتصرف بحسن نية باعتبارها عضواً قديماً في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)- على الرغم من بعض الانتكاسات في العلاقات- وتابعت مساعيها للانتساب إلى الاتحاد الأوروبي وتطبيق الإصلاحات الداخلية.

 

غير أن أحداث الشهر الماضي وضعت تركيا على خط اللاعودة نظراً إلى المِحَن الإقليمية المستجدة وانهيار العلاقات التركية مع الغرب بسبب المشاكل الخفية السابقة بين الطرفين. في البداية، صدرت تصريحات علنية، في أوائل شهر يناير، عن قائدين من الاتحاد الأوروبي حيث ربطا مباشرةً حل مشكلة قبرص بأي تقدم إضافي في مسألة انتساب تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وقد كان الاتحاد الأوروبي حذراً جداً في تصريحاته حتى ذلك الوقت لتجنب تصوير المسألة وكأنها إنذار نهائي. ثم اكتسحت موجة الثورات الشرق الأوسط، أولاً في تونس ثم في مصر، غداة جهود الوساطة التي قامت بها تركيا عند انهيار الحكومة اللبنانية وفي المفاوضات النووية الإيرانية مع ستة بلدان، هي الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن فضلاً عن ألمانيا. ربما أصبحت نية وزير الخارجية داوود أوغلو بتغيير وجه السياسة الخارجية التركية رأساً على عقب واقعاً ملموساً في الأسابيع الأخيرة، لكن السؤال المحوري المطروح هنا هو الآتي: هل يمكن أن تحافظ تركيا على هذا التوجه مع اقتراب الانتخابات الحاسمة في شهر يونيو؟

 

من وجهة النظر التركية، تشهد الأوضاع القائمة تغيّراً جذرياً، في الشرق وفي الغرب على حد سواء. لم يكن إقدام تركيا على تطبيق بروتوكول أنقرة، عبر فتح الموانئ والمطارات أمام قبرص اليونانية باعتبارها عضواً في الاتحاد الأوروبي، شرطاً مسبقاً لإطلاق مفاوضات الانتساب إلى الاتحاد الأوروبي في نهاية عام 2005. لكن كان الوضع كذلك قبل خمس سنوات، ومنذ ذلك الحين، شهدت المفاوضات اضطرابات كثيرة بسبب مشاكل عدة، وتحديداً بسبب قضية قبرص والخلافات العالقة مع اليونان حول المجال الجوي فوق بحر إيجة، لكن سرعان ما تغير الوضع برمته بعد بداية العام الجديد.

 

انطلق عام 2011 تزامناً مع تطرق قائدين في الاتحاد الأوروبي لمسألة قبرص العالقة والخلافات على المجال الجوي فوق بحر إيجة، منها تعليقات رئيس الحكومة اليوناني جورج باباندريو خلال زيارة له إلى تركيا، وتعليقات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال زيارتها إلى قبرص، وقد صدرت هذه التعليقات في أوائل شهر يناير. منذ الانطلاق الإيجابي لـ»دبلوماسية الزلزال»، عام 1999، لم تكن العلاقات التركية واليونانية أفضل من ذلك يوماً، وكانت اليونان أحد أشرس مؤيدي انتساب تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وحتى الخلافات العالقة حول المجال الجوي فوق بحر إيجة، تم التفاوض بشأنها بعيداً عن الأضواء والرأي العام منذ تطبيع العلاقات اليونانية التركية منذ أكثر من عشر سنوات. على صعيد آخر، كانت الحكومة الألمانية، التي تتبع بشكلٍ أساسي توجه الرأي العام المحلي فيها، من أشرس منتقدي انتساب تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ولكنها تجنبت حتى الآن التشديد على قضية قبرص باعتبارها آخر عقبة تمنع تركيا من الانتساب إلى الاتحاد الأوروبي.

 

خلال الأسبوع نفسه الذي شهد زيارة رئيس الحكومة أردوغان إلى الكويت، جرى التداول باحتمال فتح مكتب تمثيلي لجمهورية شمال قبرص التركية هناك. هل تلعب بعض دول الاتحاد الأوروبي لعبة خطيرة تتمثل في التعبير العلني عن نواياها بإبعاد تركيا عن الاتحاد الأوروبي، وبالتالي قبول انقسام الجزيرة عملياً؟ وهل سيؤدي هذا الاعتراف في نهاية المطاف إلى تركيز السياسة التركية على الشرق، الأمر الذي يعكس مخاوف بعض الأوساط الغربية في السنتين الأخيرتين من أن تركيا تتبع سياسة إقليمية أكثر إيجابية؟ وما موقف أشرس المؤيدين لانتساب تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وسط هذه الأجواء المضطربة؟ وماذا سيفعلون بهذا الشأن؟ في النهاية، انتظرت وزارات الخارجية التابعة للدول الأكثر تأييداً لانتساب تركيا إلى الاتحاد (بريطانيا، وإيطاليا، والسويد، وفنلندا) حتى شهر ديسمبر لتكتب رسالة مفتوحة وجهتها إلى صحيفة «نيويورك تايمز»، حيث دافعت بشدة عن حق تركيا بالانتساب إلى الاتحاد الأوروبي. في فترة ما بعد اتفاقية لشبونة، حيث أصبحت آليات صنع القرار أكثر ترابطاً من أي وقت مضى، من المفاجئ أن نرى مؤشرات متضاربة تصدر عن المؤسسة عينها في ما يخصّ وضع تركيا.

 

تحولات في أوضاع المنطقة

 

لم يكن التحول في السياسات المُعلَنة لبعض دول الاتحاد الأوروبي تجاه تركيا التحول الوحيد في الأوضاع خلال شهر يناير، فبعد أن أدت تركيا دور الوسيط الإقليمي غداة تدخلها للتحاور مع جميع الأطراف لحل الأزمة السياسية اللبنانية العالقة، ثم استضافتها للمحادثات النووية الإيرانية في إسطنبول من دون التوصل إلى أي نتيجة، يبدو أن معالم الشرق الأوسط بدأت تتغير، بما يعيد إلى الذاكرة الثورات التي حصلت في عام 1989 في أوروبا الوسطى والشرقية. لقد أدت الاحتجاجات العلنية في تونس ومصر، للمطالبة بتعزيز التمثيل الديمقراطي، إلى تحريك عملية التغيير الشامل في المنطقة بطريقةٍ لا رجوع عنها. تمثل هذه التحركات معايير جديدة لتعزيز حق شعوب المنطقة بتقرير مصيرها وإرساء الديمقراطية بعد أن بدأت الأنماط التقليدية التي طبعت حقبة ما بعد الحرب، وتمثلت بالتدخلات الخارجية وفرض النماذج الديمقراطية تتلاشى، ما أفسح المجال أمام المنطقة لتقرر كيفية تحولها في التوقيت الذي تختاره. وسط هذه المعطيات القائمة، يتعزز دور تركيا كلاعب سياسي إقليمي رئيس.

 

يتخذ هذا الدور التركي بُعدَين أساسيين، ولتبسيط الأمور، يمكن تسمية العلاقات التركية الإقليمية مع الدول استناداً إلى سياسة القوة والدبلوماسية بالمستوى الكلي، مقابل المستوى الجزئي المتمثل في الأثر الذي تعكسه على القوى الاجتماعية داخل الدول مثل عامل شعبية تركيا في الشارع العربي أو دورها في ترويج الديمقراطية. بالتالي، يمكن إدراج التواصل الدبلوماسي الناشط بين تركيا ودول الخليج "الفارسي"، والدول المجاورة لها، بما في ذلك إيران، فضلاً عن تعزيز حجم التجارة مع دول المنطقة وتطبيقها أنظمة إلغاء التأشيرة مع عدد من تلك الدول، ضمن خانة المستوى الكلي. على صعيد آخر، تُعتبر جهود الوساطة التي أدتها تركيا بين سورية وإسرائيل، ودورها في التواصل مع إيران باعتبارها لاعباً سياسياً مستقلاً في المنطقة، ومساعيها الأخيرة للتحاور مع جميع الأحزاب السياسية، بما في ذلك «حزب الله»، بعد سقوط الحكومة اللبنانية، دلالةً أخرى على قدرة تركيا على تأدية دور المفاوِض الإقليمي. ربما لم تثمر استضافة المحادثات الإيرانية في إسطنبول، في الشهر الماضي، وجهود الوساطة التي بذلتها تركيا في لبنان، عن أي نتائج مباشرة، لكن أهم ما في الأمر هو أن تركيا فرضت نفسها في موقع يخولها التحاور مع جميع الأطراف المعنيّة.

 

في زمنٍ تتصادم فيه المعايير الدولية أو الغربية مع المعايير الإقليمية التي لاتزال قيد الإعداد، قد تكون المساعي الدبلوماسية التركية على المستوى الكلي عاملاً حاسماً لإرساء الاستقرار في المنطقة. في نهاية المطاف، كان تشكيك «حزب الله» بشرعية التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري هو ما أدى إلى سقوط الحكومة اللبنانية. أما إيران التي لاتزال تتحدى المعايير الدولية، فقد وجهت دعوة إلى عدد من الدول، منها تركيا، لإجراء حملات تفتيش في مواقعها النووية، ولكنها استبعدت أربع دول رئيسة: ألمانيا، بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة. مع استمرار هذه التحديات في وجه المعايير الدولية، لن تنجح على الأرجح استراتيجية عزل الدول أو اللاعبين السياسيين على أساس عدم رضوخهم للمعايير الدولية. إذا كان العزل لم يعد خياراً مطروحاً، فسوف يتعاظم دور المحاورين الإقليميين من أمثال تركيا التي تستطيع التحاور مع جميع الأطراف ومع الغرب أيضاً.

 

تركيا وعلاقاتها بالدول الإقليمية

أدت قوة الشعب التي غيرت معالم السياسة في تونس ومصر إلى جعل تركيا قدوة يُحتذى بها كنموذج للديمقراطية، وأعلن رئيس الحكومة التركي أردوغان دعمه لحركة المعارضة المصرية، انطلاقاً من خلفيته كمؤيد لحقوق الشعب وصل إلى السلطة على عكس جميع التوقعات، وكونه يحارب مؤسسة علمانية مترسّخة في المجتمع، لكن جاء ذلك الإعلان حتماً بعد اتفاق ضمني بينه وبين نظرائه الغربيين. يعتبر البعض أن ردة فعل أردوغان جاءت متأخرة بعض الشيء، لكن تبقى تركيا النظام الديمقراطي الفاعل الوحيد في المنطقة. ما يثير الاهتمام أيضاً هو أن الحكومة التركية لاتزال تتحرك بدافعٍ من اعتبارات المصلحة الوطنية بدل التركيز على القوى الاجتماعية. في هذا الإطار، يُعتبر حزب العدالة والتنمية تقليدياً جداً في ما يخص مسار السياسة التركية. يكفي أن نتذكر التهنئة الصريحة التي توجهت إلى الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بعد الانتخابات المثيرة للجدل في عام 2009، مقابل الصمت التركي تجاه الأعمال الوحشية اللاحقة التي ارتكبتها إيران بحق المحتجين، لكن لا يمكن الاستخفاف بشعبية تركيا في الشارع العربي، فلو كانت اعتبارات المصلحة الوطنية العامل الحاسم الوحيد بالنسبة إلى السياسة الخارجية التركية، لما تدهورت العلاقات مع إسرائيل لهذه الدرجة، هنا تكمن معضلة تركيا، ما بين دوريها الكلي والجزئي في المنطقة.

 

مع تحرر المنطقة من قبضة الغرب، عملياً ومعيارياً، سيكون دور تركيا، على المستويين الكلي والجزئي، حاسماً بلا شك، لكن يمكن أن تبرع تركيا في تأدية الدورين معاً إذا حرصت على الحفاظ على علاقتها الوثيقة بالغرب ومتابعة عملية الإصلاحات الداخلية، وعلى ضوء هذه التطورات الأخيرة، تزداد أهمية التمسك بمساعي تركيا للانتساب إلى الاتحاد الأوروبي.

*صحيفة تودي الزمن التركية

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تداهم منزلاً خلال اقتحام قرية مركة جنوب غرب جنين


فلسطين المحتلة: آليات الاحتلال تطلق النار شرقي مخيم البريج وسط قطاع غزة


وزارة الصحة اليمنية: استشهاد وإصابة 5 مدنيين من أسرة واحدة بينهم 3 أطفال بغارات سعودية على الباطن بمديرية الحزم في الجوف


مصادر لبنانية: الاحتلال يطلق قنابل إنارة في أجواء وادي السلوقي، جنوب لبنان


شهيدان في مدينة غزة وخان يونس جراء إطلاق النار والقصف الإسرائيلي


وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة


استطلاع رأي "رويترز ايبسوس": انخفاض معدل تأييد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى 32%، وهو أدنى مستوى له في مسيرته السياسية


مصادر فلسطينية: جريحان نتيجة قصف طيران العدو منزلا في حي التفاح شرق مدينة غزة


الناطق باسم حركة حماس، حازم قاسم: ادعاءات الاحتلال بخرق عناصر من حماس اتفاق وقف إطلاق النار هي باطلة ولا أساس لها، وتهدف لايجاد تبريرات لانتهاكات الاحتلال وتصعيد عدوانه


اللواء إيزدي: إيران تعزز قدراتها في مجالات الصواريخ والطائرات المسيرة والأنظمة السيبرانية والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي