السودان ومصر وثورات العرب

السبت ١٢ فبراير ٢٠١١
٠٢:١٤ بتوقيت غرينتش
بصرف النظر عن دقة الرقم الذي صوَّت عليه جنوبيّ السودان بالانفصال والذي بلغ 98%، ثمة دلالات رمزية من السهل ان تُستغل في مواقع عربية أخرى جاهزة للتجربة نفسها.

بصرف النظر عن دقة الرقم الذي صوَّت عليه جنوبيّ السودان بالانفصال والذي بلغ 98%، ثمة دلالات رمزية من السهل ان تُستغل في مواقع عربية أخرى جاهزة للتجربة نفسها. وبصرف النظر أيضا عن الظروف الذاتية لهذه المواقع الجاهزة ومدى إمكانية استغلالها للتجزئة والتفتيت، ثمة دروس ينبغي الاستفادة منها من تجارب قائمة حاليا، وكذلك واعدة في العديد من الدول العربية لاحقا.


بكى شمال السودان على دولة لم يُحسن من حكمها الاستفادة من خيراتها وإمكاناتها، وفرح الجنوب لوعود طالما حلموا بها قبل الانفصال وبالتأكيد بعده، لكن المفارقة المرّة ان شعب السودان بشماله وجنوبه سيتحسّر مرة أخرى على أيام فاتت لم يستطع فيه فعل شيء لهذا اليوم المنتظر وغير المفاجئ.


الظروف نفسها والوقائع عينها، تعيشها العديد من المواقع العربية من المحيط إلى الخليج " الفارسي"، وفي جميعها من ينفخ ويهمس في آذان الطامحين إلى الانفصال، وهذه المرة، لا جهد استثنائي سيصرف، بل الحراك الشعبي العربي متنقل من عاصمة إلى أخرى على قاعدة الثورات والاحتجاجات للتغيير والإصلاح، لكن من يضمن ان لا تتطوّر هذه المظاهر إلى حركات انفصالية؟


هذا التخوّف ليس هدفه الدعوة إلى خنق الحِراك الشعبي لأنه أكثر من مطلوب، بل يعتبر واجبا وحقا أساسيا من حقوق الإنسان الذي كفلته كافة الشرائع الدولية، إنما المشكلة الكبرى تكمن في من يقود هذا الحراك ويبلوره إلى مشاريع وآليات قابلة للحياة.


من السهل إطلاق الثورات لكن من الصعب إيصالها إلى مبتغاها، في لبنان اعتصامات دامت أكثر من سنة انتهت بتسويات لم تصل بأصحابها إلى ما أرادوا منها. في مصر ثورة شبابية لا مثيل لها في تاريخ مصر، انتصرت واسقطت طاغية عصر، لكن ملامح استيعابها ربما بدأت تلوح في الأفق وربما تؤخذ إلى أماكن ليست محمودة النتائج، دعوة احتجاجية مماثلة في ليبيا، بعدما سبقتها اليمن، الجزائر على اللائحة بعدما فجرت شقيقتها تونس عصر الثورات الشعبية. ولم يقتصر الأمر على تلك الدول بل ثمة دعوات ستطال البحرين أيضا بما لها من دلالات وتداعيات لاحقة.


باختصار ربما سيكون السودان قد افتتح عصرا آخرا من أدوات الانفصال والتجزئة، لكن التجربة ستكون أكثر من مُرّة اذا امتدت وأحسن استغلالها خارجيا. نحن العرب بحاجة إلى إعادة صياغة لكثير من المفاهيم والمبادئ التي حكمتنا وتحكّمت بنا، نحن بحاجة للتغيير قبل فوات الأوان.


المشكلة الكبرى تكمن في سرعة انتقال المطالب من ضفة إلى أخرى، والمشكلة أيضا سرعة تماهي أوضاعنا الداخلية مع المنتظرين خارجيا، في الوقت الذي لا قدرة لنا على حسم مواقفنا وتحركنا. نطالب بالإصلاح ومن ثم التغيير ونكاد نطلق شعارات محاكمة الرموز، وسرعان ما نعود ونتقوقع في حالات وآليات من الصعب أن تصل إلى أماكن محددة تخدم شعاراتنا ومطالبنا.


شعوبنا العربية لم تبخل بالدم يوما لتحقيق ما تحلم به، تحررا وتحريرا، لكن المشكلة في أننا استرسلنا كثيرا على أمل ما يمكن ان يُقدم لنا، فالحرية لا تمنح بل تؤخذ، شباب مصر أدركوا ذلك ونالوا مطلبهم.


اليوم بحاجة إلى نمطية جديدة من التفكير والتعامل مع قضايانا لئلا تجرفنا عواطفنا إلى أماكن مغايرة تماما. ثمة مشروع لشرق أوسط جديد تعيد إحيائه وترسمه الولايات المتحدة وإسرائيل بوسائل وأدوات جديدة، بعدما فشلتا خلال العقدين المنصرمين، تستغلان واقعنا المزري، فتحاولان احتوائه وتوجيهه من جديد بما يخدم مصالحهما.


اليوم كان السودان، فكانت محاكمة الرئيس عمر البشير مدخلا للتقسيم، ومحكمة لبنان الخاصة ستكون مدخلا لأوضاع ربما مشابهة. بالأمس كانت اليمن وتونس واليوم مصر، ولا نعرف مصير باقي الأشقاء اذا استمرت رؤيتنا وحركاتنا كما هي. ربما قطار التغيير قد انطلق لكن علينا مجاراته بنفس السرعة لئلا يسبقنا زمن التغيير بصور معكوسة تزيدنا آلاما وبؤسا.


التشجيع والثناء والمكافآت التي لا تسمن ولا تغني من جوع بدأت على لسان الرئيس الأميركي باراك اوباما، سيعترف بدولة جنوب السودان، وسيكافئ شماله بإزالته من لائحة الدول الراعية والحاضنة للإرهاب كما يدعي. مكافآت وعطايا جاهزة غب الطلب لمن يتماهى ويتماشى مع الشرق الذي يرسمه الغرب لنا.


بات من الضروري انطلاقة تغييرية شاملة هادفة، تتماشى مع نبض الشارع العربي، بعدما كُمت أفواهه وأغلقت أعينه وصُمت آذانه لعقود طويلة، ينبغي النظر إلى واقعه بدقة متناهية وإدراك خطورة ما يحيط به، لئلا يأتي اليوم الذي لا ينفع بعده الندم. ينبغي ان نتعلم من تجارب الشعوب وتاريخها لئلا نفتقد الجغرافيا التي أضعنا قسما كبيرا وعزيزا منها.نحن العرب بحاجة اليوم إلى مراجعة كاملة لكل ما يحيط بنا وفينا، كما أننا بحاجة عارمة إلى عدم التراجع عن حراك التغيير الذي ينبغي ان برسم مستقبل أولادنا وأحفادنا. علَّ ليالي الأنس تُرسم في ميدان التحرير والتحرر في مصر لا النمسا.

*ميدل ايست أونلاين - د. خليل حسين- أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

العميد فدوي: وحدة الكلمة سرّ صمود إيران في الحرب العسكرية والاقتصادية


بلومبرغ عن مارك روته الأمين العام للناتو: لا أعتقد أن يخرج أحد من الحرب الروسية الأوكرانية منتصرا


آيزنكوت يتفوق على نتنياهو بـ67 تزكية لتشكيل الحكومة


قوات الاحتلال تداهم منزلاً خلال اقتحام مخيم عسكر الجديد شرق نابلس


الاعلام السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في منطقة نجران للتحذير من خطر محتمل


الرئيس الصهیونی يحدد موعد الإعلان عن اسم الشخصية المكلّفة بتشكيل الحكومة المقبلة


وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لنيويورك تايمز: لا أخطط لمغادرة منصبي في إدارة ترمب


"يونيفيل": نواصل مهامنا في جنوب لبنان حتى انتهاء ولايتنا بنهاية العام الجاري


رئيس المنظمة الايرانية للحج والزيارة يبدأ زيارة الى السعودية بدعوة من نظيره السعودي


إسلامي: تهديد ترامب بشن هجوم على جبل كلنج دليل على العجز


الأكثر مشاهدة

القناة 13 "الإسرائيلية": هزيمة تاريخية لترامب في انتخابات التجديد النصفي وتداعيات خطيرة على "إسرائيل"


مصادر إعلامية: صفقة ترامب مع روسيا بشأن وقود الديزل تتوقف بسبب انخفاض مخزونات الوقود الأمريكية إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا


اعلام ألماني: العثور على وزير الاقتصاد بافاريا أيفانغر ميتا في أحد فنادق برلين


مصادر لبنانية: غارة لطيران العدو الإسرائيلي تستهدف المنطقة الواقعة بين بلدتي مركبا وطلوسة في جنوب لبنان


عراقجي يؤكد على تعزيز العلاقات بين إيران وبولندا


أكسيوس: زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة المجلس في رسالة وجهها إلى زملائه


وكالة أنباء كوريا الشمالية: تجربة إطلاق ناجحة لمنظومة صواريخ متطورة للدفاع الجوي


الصحة اليمنية: استشهاد 7 مدنيين بينهم طفلان وإصابة 6 أطفال بجراح من جراء استهداف الطائرات السعودية منزلا غربي تعز


بقائي يرد على تصريحات وزير الخارجية الألماني


مصادر فلسطينية: تجدد المواجهات في بلدة "سلواد" شمال شرق رام الله، والاحتلال يُطلق قنابل الغاز


زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي شاك شومر: الحرب على إيران يجب أن تنتهي وسنحاصر ترمب تشريعيا إذا لم يمتثل لإرادة الشعب